الفصل السابع ( 54 ) الخير الأوّل والخير في الأمور
1 هل عسى أن يكون الخير للكائن في غير قيام الحياة بفعلها وفقا لما تقتضيه الطّبيعة ؟ وإذا كان الكائن مؤلّفا من عناصر كثيرة ، أليس الخير بالنّسبة إليه قيام أفضل ما فيه بالفعل الخاصّ به وفقا للطبيعة دائما وبدون إهمال ناحية قطّ من نواحيه ؟ وإذ فإنّ خير النّفس الموافق لطبيعتها هو قيامها بالفعل الخاصّ بها . وإذا كانت / النّفس تعمل في سبيل الأشرف وهي في أشرف مقام ، فإنّ ذلك الشرف ليس خيرا بالنّسبة إليها فقط ، بل هو الخير على وجه الإطلاق . وإذا كان أمر لا يعمل في سبيل غيره لأنّه هو أشرف الأمور ووارءها ، بل كان سواه يسعى إليه ، فواضح أنّه هو الخير وعن سبيله يكون لما سواه حظّ من الخير . على أنّ هذا الحظّ من الخير الّذي يتمّ للأمور الأخرى - بقدر ما يتمّ لها هكذا / - إنّما يتمّ لها على وجهين : الأوّل بأن تتشبّه بالخير الأشرف ، والثّاني بأن تتوجّه إليه أثناء قيامها بأفعالها . وإذا كان في الرّغبة وفي القيام بالفعل موجّهين نحو شرف خير ما ، لزم حتما الّا يوجّه الخير وجهه أو يهدف إلى غيره ، بل أن يكون المعين القائم في طمأنينته ، أصلا بحكم / الطّبيعة لكلّ فعل يقام به ، هو الّذي يخلع على الأمور الأخرى هيئة الخير ، لا بأن يتوجّه بفعله إليها - إذ الأحرى أنّها هي الّتي تتوجّه بفعلها إليه - لا بوساطة فعل منه إذا ، ولا بوساطة العرفان ، بل بأنّه قائم بذاته في ما هو عليه . ذلك لأنّه ما دام وراء عالم الأيس ، فإنّه أيضا وراء مجال الفعل ، وراء عالم الرّوح والعرفان . / فلا بدّ إذا من أن نعود إلى اعتبار الخير على أنّه ما يتعلّق به كلّ شيء ولا يتعلّق هو بشيء ، وعندها يصحّ القول حقّا : « أنّه ما يهدف إليه كلّ شيء » . ينبغي أن يبقى ثابتا في ما هو عليه ، وإليه يوجّه كلّ شيء وجهه ، على نحو ما بين الدّائرة ومركزها ، منه تنبعث أشعّتها كلّها . وكذلك أيضا على قياس الشّمس من حيث أنّها مركز للنور / الّذي ينبعث منها ويبقى متّصلا بها ، فمن أيّة ناحية قابلته كان معها لا ينفصل عنها ، وإذا حاولت فصله من جهة ما ، وجدته هو أبدا في جانب الشّمس .
2 ما هو وضع الأمور الأخرى بالإضافة إلى ذلك الخير ؟ إنّ الجوامد موجّهة نحو النّفس ،