الأجساد . فالواجب عند إدراكنا للحسن في الأجسام الّا نتهافت إليه ، بل نتنبّه إلى أنه ارتسام وأثر وظلّ ، فنفرّ إلى ذلك الّذي هو أصل الارتسام . لأنّ من أسرع إلى ذلك الحسن في الأجساد قاصدا أن يمسك به على أنّه الحقّ ، حدث له ما حدث لذلك الرّجل الّذي تشير إليه القصّة المختلقة فيما أذكر : رأى صورة جميلة تطفو على وجه الماء ، فأراد أن يقبض عليها / فرمى بنفسه في عباب النّهر ، فاختفى . وهذا ما يتمّ لا محال لمن أخذ بحسن الأجساد ولم يعدل عنه :
إنّه ليهوي لا في جسده بل في نفسه إلى أسافل الظّلام الّتي تتنافى مع الرّوح ، فيقيم في منزل القمّاء والأموات ، يعايش الأشباح القاتمة ، كما كان يعايشها هنا . /
« فلنفرّ هاربين إذا إلى الوطن المحبوب » : هذا أصحّ ما يمكن أن ننبّه إليه . ولكن ما هو ذلك الفرار وكيف يتمّ لنا الرّحيل ؟ على النّحو الّذي تمّ لأوذيسوس ، إذ أقلع عن السّاحرة « كركيس » وعن كالوكيس كما قال الشّاعر وهو يشير بذلك ، في ما أرى ، إلى معنى سرى وهو أنّ الرّجل لم يرض بالبقاء معهما بالرّغم ممّا كان يجد عندهما من متعة للنظر ومن حسن يلذّ لإحساسه . / إنّ وطننا هو الملأ الأعلى : فمن هنالك جئنا ، وهنالك نجد أبانا . وما هو ذلك السّفر والهرب ؟ إنّه لن يتمّ لك سيرا على الأقدام . فالأقدام تنقلك دائما من أرض إلى أرض . كما أنه لا ينبغي عليك أن تعدّ له المراكب الّتي تجرّها الخيول أو تسير على متن البحر ؛ بل الواجب أن تتخلّى عن تلك الأمور ولا تنظر إليها ، فتنبّه فيك ، / بدلا عن بصرك الحسّيّ ، بصرا آخر ، متوافرا لكلّ منّا ولكن قلّ من يستعمله .
9 وما عسى ذلك البصر الباطن أن يرى ؟ إنّه عند تنبّهه لا تتمّ له القوّة على النّظر إلى الأمور السّاطعة ؛ فلا بدّ للنفس من أن تعوّده أوّلا على مشاهدة الحسن في المعاملات ، ثمّ في الأعمال ؛ لا تلك الأعمال الّتي يخرجها الفنّ ، بل أعمال من نعتبرهم من أهل الفضل والصّلاح . ثم تحوّل بذلك البصر إلى نفس / ذوي الحسنات . وكيف يتمّ لك أن تدرك الحسن لدى النّفس الصّالحة ؟ عد إلى نفسك وانظر ! فإذا لم تر الحسن فيها ، اعمد إلى ما يعمد إليه النّحّات : إنّه يقبل على التّمثال الّذي لا بدّ من أن يخرج جميلا ، فيقطع تارة ويحفّ طورا ويملّس وينظّف حتّى يقابله الحسن في التّمثال . / وهكذا أنت أزل ما عندك من فضول وسدّد ما كان فيك معوّجا ، طهّر ما أظلم عندك واجعله نيّرا لا معا ، ولا تكلّ عن نحت تمثالك « حتّى يسطع أمامك بهاء الفضيلة في ربّانيّته ، وترى فيك العفّة وقد انتصبت على قاعدتها الصافية المقدّسة » .
فإذا أصبحت هكذا ورأيت ذلك ، / وكنت صافيا لنفسك واحدا معها ، وارتفع كلّ حائل بينك وبين أن تتوحّد هكذا ، وما عاد في باطنك أمر غريب عنك يخالطك في سريرك ، بل كنت
تاسوعات أفلوطين — صفحة 93
مساهمون: أفلوطين
ص٩٣