تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
للصاعدين إلى أقداس الهياكل من أن يتطهّروا ويخلعوا ما عليهم من ثياب ، فيتقدّموا عراة مجرّدين . فإذا ما تجاوزنا في ارتقائنا كلّ ما هو غريب عن اللّه ، شاهدنا بذاتنا وحدها ذلك القائم بتفرّده وحده ، في صفائه وبساطته وقداسته ، هو الّذي يرتبط به كلّ شي ، والّذي فيه تحدّق ببصرها الأشياء كلّها فتحرز / أيسها وحياتها وعرفانها بالرّوح ، إذا إنّه هو علّة الأيس والحياة والرّوح . فالّذي يشاهده إذا ، ما أعظم ما يكون عشقه له ، وما أعظم ما يكون حنينه إليه ؛ إذ يودّ أن يتّحد به . ثم ما أعظم ما يكون الطّرب حينذاك مع اللّذة الّتي تصحبه . ذلك لأنّ الّذي لم يتمّ له أن يشاهده ، فشأنه منه شأن من يرغب في الخير . أمّا الّذي شاهده ، فشأنه أن يسحر بحسنه ، / وان يملك البهتان والفرح عليه أمره ، وأن يشعر بالاضطراب البريء من كلّ ضرر ، وأن يؤخذ بالعشق الحقّ ، وأن يسخر بالرّغبة المبرّحة ، وبكلّ عشق آخر ، وأن يحتقر ما كان يظنّ فيه حسنا في ما مضى . بمثل ذلك شعر الّذين تمّ لهم أن يشاهدوا أحد الآلهة أو أمرا ربّانيّا ، فانقلبوا لا يرضون / بعد ذلك بحسن الأجساد الأخرى . فما رأينا لو أنّ أحدهم شاهد الحسن في ذاته « صافيا غير ملطّخ بالشّرّيّات » أو الجسميّات ، لا على الأرض ولا في السماء بحيث يبرز تنزيهه وتقديسه . ( فإنّ تلك الأمور دخيلة ، وهي من الشّوائب وليست أوّليّة ، بل تستمدّ جميعها من الملأ الأعلى ) . / أقول : ما رأينا لو أنّا شاهدنا ذلك الّذي يوزّع الحسن على كلّ شيء ، ويمدّ بالحسن كلّ شيء ، باقيا هو في ذاته لا ينال شيئا من غيره ، ولو بقينا هكذا في مشاهدته نتمتّع به ونتحوّل إليه ، فهل نعود في حاجة إلى حسن ما ؟ لأنّه هو الحسن الأعظم وهو الحسن الأصليّ ، يخلع الحسن على من يحبّونه ، ويجعلهم هم أيضا أهلا للحبّ . / في سبيل ذلك « باشرت النّفس جهادها الأكبر الاسمي » الّذي من أجله كابدت ما كابدت ، حتّى لا تحرم حظّها من المشاهدة العظمى الّتي تسعد من فاز بها إذ أنّها حينذاك تتمتّع بالرؤية المسعدة ؛ والشّقيّ حقّا من لم تتمّ له . ذلك لأنّ الشّقيّ ليس من لا يدرك الحسن في الألوان والأجساد ، لا وليس من لم يحظ بالسّلطات ومقامات الجاه والعروش ، / بل الشّقيّ من فاته إدراك ذلك الحسن وذلك الحسن وحده . وفي سبيله يجب أن يضحّي بالعروش وبالسّيادة على الأرض كلّها ، وعلى البحار وعلى السّماء ، إذا كان في التّخلي عنها والزّهد فيها ما يؤمّن الفوز برؤياه بعد توجيه الوجه إليه . 8 ولكن كيف تكون هذه الرّؤية وما السّبيل إليها ؟ كيف يشاهد ذلك الحسن العظيم وهو كالمتمنّع وراء أعتاب قدس الأقداس ولا يقبل إلى الخارج بحيث يشاهده من لم يكن من خواصّه . فلنأخذنّ في السّير إذا ، ولنلتحقنّ بذلك الحسن ، حتّى ننتهي إلى دخيلته إذا استطعنا إلى الأمر سبيلا ، ولندعن المبصرات وراءنا ولا نلتفتنّ بعد ذلك إلى بهجة /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 92 | أفلوطين