يشعر به من كان عاشقا حقّا . وما عسى أن يكون هذا الذي يشعرون به ذلك قبله ؟ إنّه ليس شكلا ولا لونا ولا حجما ما ، بل إنّها النّفس المنزّهة عن اللون / المنطوية على العفّة المنزّهة عن اللون أيضا ، وعلى بهاء الفضائل الأخرى ، كل ما تتبيّنونه في أنفسكم أو تشاهدونه عند غيركم إذا تمّ :
عظمة النّفس ، وسلامة الطّويّة ، والعفّة الصّافية ، والشّجاعة في مظهرها المنطبع بالمرءوة ، والوقار والتّهيّب المسترسل في حالة الهدوء / والارتياح والاطمئنان ، وفوق ذلك كلّه الرّوح السّاطع الرّبّاني الأصل . هذه هي الأمور الّتي نميل إليها ونحبّها ؛ فبأي معنى نحكم لها بالحسن ؟ إنّها في الأعيان حقّا وإنها لتبدو هكذا ، ولا يراها أحد إلّا ويحكم لها بالأيس حقّا .
وما معنى أنّها أيسات حقّا ؟ - إنّها جميلة . والعقل ، مع ذلك ، يرغب في أن يعرف كيف يجعل أيسها / النّفس مستحبّة . فما هذا الّذي ينتشر على الفضائل كلّها ساطعا كالنّور ؟ وما الرّأي لو عمدنا إلى أضداد تلك الفضائل ، أعني قبائح النّفس ، فأثبتناها بما ينفيها ؟ فربما ساعدت حينئذ على إدراك مطلوبنا معرفتنا للقبح ما هو ولما ذا ظهر .
فلنفترض إذا نفسا قبيحة / لا عفّة فيها ولا عدل ، تزدحم فيها الأهواء والفوضى ، يلازمها الخوف لجبنها والحسد لسخفها ؛ فهذه كلّ فطانتها ، إن كان ما لديها من ذلك فطانة ، مركّزة على الأرضيّات والدّنيويّات ؛ كلها عرج وانحراف ؛ انغمست في اللذّات القذرة وهي تحيا حياة ما يتأثّر بانفعال الجسد على أنّه لذيذ مع أنها أفسحت بذلك للقبح السّبيل إليها . / ألا يصحّ لنا أن نقول حينذاك أنّ ذلك القبح ورد على تلك النّفس شرّا دخيلا ، فشوّهها وجعلها نجسة يصحبها الكثير من الشّر ، فلا صفاء في حياتها ولا في إحساسها ، بل تحيا حياة أظلمت بسبب امتزاج الشّرّ فيها / وقهرتها أسباب الموت قهرا ، فما ترى بعد ما شأن النّفس إن تراه وما عاد يتاح لها أن تبقى في ذاتها لأنّها مجذوبة إلى ما هو غريب عنها ، إلى العالم الأدنى ، عالم الظّلمات ؟
أصبحت نجسة إذا ، فأخذت تتداولها من كلّ صوب وناحية جواذب ما يقع تحت الحسن ، وانطوت على جانب قويّ من لوازم الجسد ، كما إنها تفتّحت للهيولي / فزادت في اتّصالها بها ، فأدّى بها كلّ ذلك إلى أنّها تشكّلت بأصل غير أصلها بسبب اختلاطها هذا مع ما هو دونها .
فمثلها مثل رجل انغمس في الطّين والوحل ، فما عاد يظهر الحسن الّذي كان عليه ، بل يرى منه ذلك الّذي تلطّخ به من وحل وطين . فإنّ القبح عنده ، / أمر عارض غريب ورد بالإضافة ؛ فشأنه ، حتّى يستردّ جماله ، أن يشتغل بذاته فيغتسل ويتطهّر فيعود إلى ما كان عليه . حينما قلنا إذا أنّ النّفس قبيحة بسبب اختلاطها وامتزاجها واتّجاهها نحو الجسد والهيولى ، فبالصواب نطقنا ؛ وهذا القبح للنفس هو الّا تكون نقيّة صافية صفاء الذّهب ، بل مغمورة بالأخباث ؛ / فإذا أزيلت الأخباث بقي الذّهب وبرز حسنه بعد تنقيته ، قائما وحده مع ذاته . وهذا ما يتمّ للنفس ؛ إذا جرّدت من الأشواق الّتي أتتها من الجسد بسبب شدّة اتّصالها به ، وإذا حرّرت من الانفعالات
تاسوعات أفلوطين — صفحة 90
مساهمون: أفلوطين
ص٩٠