هو شأن المثال . أمّا ما لا تستولي عليه ، فيخمد نوره وينسحب الحسن عنه ، لأنّه قد خفّ حظّه بعد ذلك من مثال اللون . وأمّا الانسجام الكامن في الأصوات عند الغناء ، فإنّ الخفيّ منه يولّد الظّاهر الّذي تسمعه ، وبذلك يجعل النّفس تدرك الحسن لمحا إذ أنّه يدلّها على ما هو قائما في غيرها . / ومن ثمّ انضباط النّغمات الّتي نحسّ بها يأتي وفقا لقياس بأعداد منتظمة على تناسب معيّن ، لا على أيّ تناسب ، بل ذلك الّذي يكون خاضعا لفعل المثال وهو ساع إلى فرض سيادته .
هذا وحسبنا الآن بذلك شرحا حول ما من الأشياء الجميلة في العالم الحسّيّ ، فكأنّها ارتسامات وأشباح فرّت وجاءت إلى الهيولى فنظّمتها وظهرت / أمامنا فبهرتنا .
4 أمّا الحسن فيما فوق ذلك والّذي عزل الإحساس عن أن يناله ، بل تدركه النّفس وتلفظ باسمه بعد إقلاعها عن الحواسّ ، فلا بدّ لمشاهدته من أن ندع الحواسّ باقية في السّفليّات ثمّ نعمد إلى الارتقاء . وكما أنّا لا نستطيع أن نبدي حكما قطّ على الحسن في الأمور الحسّيّة ما لم نرها وندرك الحسن فيها ، / كما هو الحال عند من ولد مكفوف البصر مثلا ، فهكذا أيضا في ما يختصّ بحسن الأعمال عند من لم ينشرح صدرا للحسن في الأعمال والعلوم وغيرها ممّا يشبهها ، وفي ما يختصّ ببهاء الفضيلة عند من لم يبد له مظهر العدل / والعفّة في عجيب حسنه - « ولا حسن النّجمة في الصّباح أو في المساء » . لا بل إنّه من الواجب على المشاهد حينذاك أن يدرك بما تدرك النّفس عندما تشاهد مثل تلك الأمور ، فنشعر إذ نشاهد بفرح وجذب وطرب شتّان ما بينه وبين ما تمّ لنا في ما سبق ذكره من المشاهدات الحسّيّة : إنّما نباشر هنا ما هو من عالم الحقائق / بهتان ، وجذب حلو ورغبة ، وعشق ورعشة مع لذّة : تلك هي الانفعالات الّتي يجب أن نشعر بها عند مقابلتنا للحسن إذا تمّت . وهي انفعالات من شأنها أن تكون ، وتخبرها النفوس كلّها حتّى في ما لا يرى من الأمور إذا جاز لنا القول ؛ على أنّ أشدّ النّفوس بها خبرا هي نفوس أشدّهم حبّا وهياما ، كما هو أمر الحسن في الأجساد / : فإنّ الجميع يرونه ، ولكنّ لوعته ليست على السّواء عندهم ، بل منهم من كان شعورهم بها أقوى وهم الّذي يوصفون بالعشق .
5 ولكن ينبغي أن نسأل الّذين يشعرون حتّى تجاه اللامحسوس : أما عسى أن تشعروا به قبل ما اسمه حسن الأعمال والسّلوك وعفّة الطّبع وبوجه الإجمال قبل الصّلاح في العمل والاستعداد الرّوحيّ وقبل الحسن في النّفوس ؟ وعندما تشاهدون الحسن عندكم ، في بواطنكم ، فما عسى / أن تشعروا به ؟ علام تلك النّشوة وذلك الاهتزاز ، ولما ذا ذلك الشّوق عند كلّ منكم إلى أن يكون مع ذاته متجمّعا بعد انسحابه عن الجسد » ؟ فالواقع هو أنّ هذا ما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 89
مساهمون: أفلوطين
ص٨٩