على الاطلاق . وعلى هذا المعنى استعملها في أول هذا الفصل . وتقال على ما يعتقد ببصيرة نفس ، وعلى هذا المعنى استعملها بعد ذلك عندما قال : « تعلم أو توجد » ، فجعل الروية والاستدلال والاستنباط كالأنواع للفكر ، والفكر تطرّق الذهن لمعرفة مجهول من معلوم .
فالأصناف الأربعة تعلم بأنفسها دون أن يتطرق إلى معرفتها من معلوم سواها ، وما عداها انما يعلم بفكر . وبيّن ان ما يعلم بفكر فإنه ينبغي ان يكون قبله معلوم سابق يتطرق به إلى علمه . فإن كان ذلك معلوما بنفسه على أحد الانحاء الأربعة وقف الامر ، والا احتاج أيضا إلى معلوم سابق . ولا يمر الامر إلى غير نهاية ، لأنه كان يلزم ان لا يعلم المجهول ابدا . فواجب اذن في علم المجهول ان يكون المعلوم السابق له من أحد هذه الأربعة ، أو ما ينحل إليها ويقف أخيرا عندها . فهذه الأربعة اذن هي مبادئ النظر ، وما يعلم بنظر المعقولات الأول . والمحسوسات هي مبادئ البرهان ، إلى آخر قوله .
الثالث كل وصلة أو حالة كيف كانت توجد بين امرين ، فإنها تسمى على العموم نسبة . والنسبة الموجودة بين امرين لا يخلو ان يكون وجودها لازما عن جوهر أحدهما أو عن جوهرهما معا ، وذلك اما دائما وعلى الأكثر ، وما كان بهذه الصفة قيل إنه بالذات . أو يكون وجودها غير لازم البتة عن جوهر واحد منهما ، لكن اتفق ذلك اتفاقا . وما كان بهذه الصفة ، قيل إنه بالعرض . فما بالذات وما بالعرض انما هو حال نسبة موجودة بين شيئين على ما ذكرنا .
ولما كان لفظ الوجود أشهر من لفظ النسبة ؛ قال : « توجد » ، وأردفه بحرف النسبة ، وذلك يقوم مقام لفظ النسبة ، إذا النسبة موجودة بحال ما . والشئ والامر لفظتان مترادفتان بمعنى واحد ، فلم يذكر الشئ هاهنا ، والامر بعده بخلاف بينهما .
ولكن لما كانت النسبة موجودة بين شيئين ، أحدهما مبدأ لها والآخر منتهى ، وكان بين الشيئين من الفرق هذا المقدار ؛ جعل العبارة عن أحدهما مغيّرة عن العبارة الأخرى في اللفظ لا في المعنى ، فكأنه عبّر عن الشئ الذي هو مبدأ النسبة بلفظ
المنطقيات للفارابي — صفحة 25
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٥