فيه مدرك . . . للشخص المتخيّل والبصيرة المدركة . اما في التخيل إذا أدركت . . . . . .
وأنت تتيقن بحقيقة ما تدركه وتبصره بتلك البصيرة كما يتيقن المحسوسات بالحسّ مثل ان هذا زيد وان هذا الوقت نهار وغير ذلك من حيث نشات ، حتى يكون نسبة هذا المدرك الذي هو عقل إلى مدركاته من القوة المتخيّلة نسبة الحس المدرك إلى محسوساته ، هذا يبصر وهذا يبصر بالضوء ما يحصل في الضوء وهذا يبصر بتلك البصيرة ما يحصل في المتخيلة وهذه البصيرة قوه إلهية فايضة من العقل الفعال وهي التي ذكرها أبو نصر في مقاله العقل والمعقول . وفي هذه المقالة المذكورة هداية غير ما يظهر من أول هذا الشرح الذي قد افسد كثيرا .
وإذا كانت هذه البصيرة الفائضة من العقل الفعال وهي عن الفعال يأخذ المعقولات ، وهي العقل الانساني ، فإنما يفسد وهيئته باقية لا يحتاج إلى مادة ، وقد حصلت فيها مدركات لم يكن انظر هذا . وإذا كنا نسمى حيّا كل من له الوجود ادراك بحاسّة ، وهو اخسّ الادراكات التي من الواجب ان يسمى حيّا من يدرك المدركات التي هي اشرف ، وهي ماهيات المدركات المتخيلة . وما يدرك بالعلم اليقيني عما حصل عن تلك الماهيات المأخوذة عن القوة المتخيلة ، مثل ما يخيلنا بماهيات الحركات السماوية ، فيحصل لنا عن معرفة ماهيات هذه الحركات السماوية اشرف المعلومات وأعلاها . والمدرك لهذه المعقولات أحق باسم الحسّ .
وإذا حصل هذا للانسان ، عقل ذاته من حيث حصل فيها المدركات بذاته ؛ والا يحتاج إلى مادة ولا إلى أشياء غير ذاته من جهة ما حصل فيها تعقلها . وانا أرى انك تستشعر بهذه البصيرة المبصرة في المتخيلات بحسب كمالك ، وانه يظهر لك ان في النفس ما يشبه للضياء للشمس أو غيره يدرك النفس بها ما يدركه البصير بضياء الشمس ، ويرى النفس ينقش في المتخيل بتلك البصيرة ، مثل ما يفعله البصر بالقبس في ان يبصر المبصر ، وذلك يسمى فكرا ، وهذا بحث ( ؟ ) بالبصر .
فإذا كمل الانسان بحصول معقولات كما جميع ما يمكن ان يحصل في القوة المتخيلة ، وما يلزم عن معرفة تلك المعقولات ؛ كان فعله في ذاته لا في القوة المتخيلة ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 428
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٢٨