الدال عليها . فإذا فهم معنى اللفظ الدال عليها ، وقع اليقين التام ، مثل قولنا : كل مكان الأرض فله أفق . فإذا فهم معنى ما يدل عليه لفظ أفق ، وقع اليقين بأن كلّ مكان من الأرض فله أفق . ومنها ما يجهل من المقدمات المقبولة الأول ، من أجل قياسات مشهورة تضادها ، مثل ما كان في القديم أن التكوّن غير موجود ، والحركة غير موجودة ، والفطرة تعطى أنّها موجودة . فمتى وجدت آراء يعتقد فيها هذا لأجل قياسات فاسدة ، وتكون الفطرة والافعال توجب مقابل تلك الآراء ، فلا يلتفت تلك الآراء ولا إلى القياسات الفاسدة ، فان المعقولات الأول انما يثبتها ما نجد أنفسنا فطرت على اليقين بها ، والتصديق بأنه لا يكون غيرها .
وأعلم أن الأسباب الأربعة توجد في جميع الأجسام ، وفي جميع أفعال الانسان ، فان الانسان ، بالطبع يتشوّق معرفة أسباب الأشياء الأربعة ، وهي مادة الشئ [ وصورته وفاعله وغايته ] ، والمادة هي الموضوع الذي شأنه أن يقبل شيئا ما ، والشئ المقبول هو الصورة ، وبها [ س 89 ر ] يكمل الشئ الموجود . مثال ذلك : النحاس للطست هو المادة ، وهي الموضوع الذي شأنه أن يقبل صورة الطست . فالمادة متقدمة بالزمان متأخرة بالشرف . والصورة هي التي بها يكمل الشئ الموجود وبها يتمّ . والصورة بالجملة هي التي عنها تكون الغاية المقصودة بالشيء الموجود عن المادة وعن الصورة وعنها تصدر أفعال الشئ الموجود . مثال ذلك :
في الأمور الطبيعية الانسان ، فان صورته التي تصدر عنها أفعاله ، والتي هو بها انسان ، هو النطق ، ومادته هو الجسم المتغذى الحساس . والأسباب الأول هي المواد ، والأسباب الثواني هي الصور ، وعن الصور تتركب الحدود التي هي أحق أن تقتنى حدودا . فان الحدود قد تتركّب من جميع الأسباب .
والسبب الثالث هو الفاعل ، والرابع هو الغاية ، وهي التي لأجلها فعل الفاعل تلك الصورة في المادة . فالإنسان ، كما قلنا ، يتشوّق بالطبع معرفة هذه الأسباب الأربعة في كلّ شئ ، حتى في الأمور المتغيرة ، من ذلك أنه إذا سمع نداء على دجل ضرب ، فيسأل عن الموضوع الذي يجرى ، مجرى المادة من هو هذا المضروب ؟
المنطقيات للفارابي — صفحة 348
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٤٨