أسبابه ، فقد أخذناه في النفس ، بما هو خارج النفس ، فكانت القضيّة معقولة كليّة .
مثال ذلك في الأمور الصناعية أن الخزانة ، إذا أخذنا أسبابها التي تتيقن بالمشاهدة انها أسباب لها ، فقد أخذنا في الخزانة مقدّمات أول معقولة كثيرة ، بما هي في النفس ، ما هي ، وهي بما ذا هي خارج النفس . [ س 88 پ ] فان قولنا : ما ذا هو الشئ ؟
سؤال عن أسبابه في النفس . وقولنا ، بما ذا هو الشئ ؟ سؤال عن أسبابه خارج النفس .
والمقدمات الأول المأخوذة في الخزانة أن كل خزانة جسم ، لأنّا أحسسنا [ أن ] أسباب جزئيّاتها ، فعلمنا أن الخزانة الكليّة ، بما هي خزانة ، فلا بدّ لها أن تكون جسما . فقلنا : الخزانة ، بما هي جسم ، فأخذنا ابتداء التعريف كليّا ، وهو مثل قولنا : كلّ خزانة جسم ، وكذلك كلّ خزانة من خشب ، وكلّ خزانة لها فاعل ، وكل خزانة تفعل بآلات . وكل خزانة تؤلّف على جهة كذا ، وكلّ خزانة فلها حدّ ، وكلّ خزانة هي صيانة لما يحصل فيها . كذلك إذا نظرنا في تحديد ذات الانسان فأخذنا أسبابه الضرورية لوجوده وتصوّرناها من حيث هي أسباب ضرورية لوجوده ، قريبة أو بعيدة . فمن أسبابه الموجودة في شخص التي نتيقّن أنها أسباب ضرورية [ مثل ] أنّه جسم وأنّه ذو عظم ، وأن له قوة غاذية بها وجوده أولا ، وحساسة بها جنس وجوده ، وناطقة بها كمال وجوده ، ومفكرة بها جنس كمال وجوده . وكل هذه مقدّمات معقولة يقينيّة . والكليّة فيها لازمة من جهة ما تعتقد النفس أنه بما هو انسان ، فهو بهذه الطبيعة ، يلزم ان يكون هو هذه الأشياء ، بما هو .
وبهذه الجهة من طلب أسباب الأشياء الضرورية الموجودة حسّا تستنبط المقدمات المعقولة الكليّة الأول ، وهو تشبيه حسن في استنباط المعقولات الأول ، وهي في الصناعات كثيرة ، وفي الطبيعيات وفي كل ما علم بالمشاهدة أسباب وجوده .
ومن المقدّمات المعقولة الأول ما تجهل حتّى تتصفّح ، فإذا تصفّح بعض جزئيّاتها ، وقع اليقين بها حسبما يذكر ، وفيها ما يجهل لأنه لا يفهم معنى اللفظ
المنطقيات للفارابي — صفحة 347
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٤٧