كذلك أم لا . وهذه إذا شهد بها الجميع أو الأكثر كانت مشهورة ، وما لم يشهد بها الجميع كانت في بادي الرأي فقط . وقد يكون ضد هذه الآراء أو بعضها في المشهورات عند آخر . مثل أنه يجب أن يكون الانسان قاهرا أو مؤذيا أو آخذا للمال كيف ما اتفق [ لا ] يخاف ويهاب . فتكون هذه آراء مشهورة عند قوم يرونها آراء واجبة . وكثيرا ما يجتمع في نفس واحدة آراء مشهورة متضادة ، وبحسبها وبحسب تضادها تختلف الافعال ، فإنه لا يفعل واحد افعالا ، الا بحسب آراء في نفسه ، أكثرها مشهورة . وهذه الآراء هي السبب في الحيرة وفي أن يفعل الانسان أو لا يفعل . مثال ذلك أنه قد يطلق الانسان يده على ماله ، فيعطى ويهب ويوسع على من لديه ، لأنه يرى أن هذه الأفعال في مكارم الأخلاق وواجب له أن يفعل . فيأخذ بهذا في وقت فيفعله ، وفي وقت آخر يمسك يده عن العطاء ويرى أن المال صيانة للانسان ورفعة ، وما يصون ويرفع فواجب أن يمسك ، فيأخذ بها في وقت آخر فيمسك . ومتى استعملنا هذه المقدّمات في وقت واحد ، وقعت الحيرة ؛ وإذا استعملت في أوقات مختلفة ، وقع الاضطراب في الافعال .
فإذا التفت الانسان [ إلى ] جميع أفعاله وجد فيها من هذا النحو . وانما ذلك من أجل ما ينطوى في المقدّمات المشهورة من الكذب . وجميع هذه المقدمات متى أخذها المستعمل لها ، من حيث هي رأى له ولسواه ، ويسبر قوّتها من حيث هي آراء مشتركة ، كانت فضائل مشهورة في الحقيقة واستعملت في الجدل . ومتى أخذها المستعمل لها من حيث يراها ويسكن إليها ، من غير أن يسبرها بالإضافة إلى سواه ؛ كانت مقدّمات في بادئ الرأي ، واستعملت في الخطابة .
78 - وقوله : « بقي علينا من القول القول في المقدّمات الأول المعقولة ، وهو آخر القول فيها » . فنقول انه قد يكون التلازم بين المعنيين اللذين كانا مفترقين في النفس رأيا يراه الانسان من جهته ، لا من جهة وارد عليه ، بل يلزم أن هذا المعنى لهذا المعنى من أجل أنهما خارج النفس وجودهما كذلك ، [ س 88 ر ] ولم يحكم عليهما بهذا اللزوم الا من أجل أنهما خارج النفس ، كما حكم أنهما في النفس
المنطقيات للفارابي — صفحة 345
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٤٥