التصديق أنه لا يمكن أن يكون في وجوده خلاف ، وما حصل فيه في حين النظر ، ثم يعتقد في هذا الاعتقاد الثالث ، وهو الرابع من الحكم ، أنه لا يمكن عناده ، [ س 86 پ ] ويكون من القوة بحيث إذا أخذا اعتقادا في اعتقاده الأول ، وهو المرتّب بعد الحكم ، أنه لا يمكن غيره ، وذلك إلى غير نهاية .
73 - وقوله « وذلك إلى غير نهاية » هنا انما هو فيما يكون من أخذ الاعتقاد في الاعتقاد أنه لا يمكن غيره . وبيّن أن هذا لا يكون الا فيما هو صادق . فلذلك قال في حدّ اليقين « انه هو أن نعتقد في الصادق الذي حصل التصديق عند [ نا ] به أنه لا يمكن أصلا أن يكون وجود ما نعتقده في ذلك الامر بخلاف ما نعتقده ، ويعتقد مع ذلك في اعتقاده هذا أنه لا يمكن غيره ، حتى يكون بحيث إذا أخذ اعتقادا ما في اعتقاده كان عنده أنه لا يمكن غيره ، وذلك إلى غير نهاية » .
74 - وقوله : « وهو أن يعتقد في أن يعتقد » ، ضمير يعود على الانسان المذكور في قوله في حدّ التصديق « هو أن يعتقد الانسان » . وقد تأوله قوم على أنه جعل الفاعل « ليعتقد » قوله « الذي » ، وقدّروه « الذي حصل التصديق به » ، بتشديد الصّاد في حصّل . وعلى هذا يكون الذي فاعلا ، وعلى التأويل الأول يكون نعتا للصادق ، وهو أحسن . وقد زاد قوم فيه : « واليقين هو ان يعتقد المعتقد » .
لأنه يليق أن يزاد بعد حدّ الصادق حدّ الكاذب ، فيقال : والكاذب هو أن يكون الامر خارج الذهن على خلاف ما يعتقد فيه في الذهن ، ثم يتّصل بقوله : « والتصديق بما هو صادق في الحقيقة وبما هو كاذب » . ويشبه أن أبا نصر انما سكت عنه لظهوره من حدّ الصادق ، وقوله : فهو حاصل اما بالذات واما بالعرض .
والفرق بين اليقين بالذات واليقين بالعرض أن اليقين الذاتي هو اليقين بالمقدّمات الأول المعقولة ، أو ما يحصل عن المقدّمات بالقياس الصحيح ، ولا ينفاد الذهن إلى شئ سوى ذلك ، بل انما ينقاد إلى ما نجده بالفطرة ان كان هو هكذا ، ولا يشك فيه أن ما يلزم عن قبولها عن مثل هذه المقدّمات . والذي بالعرض هو أن يعتقد في أمر ما الاعتقاد اليقيني ، ويتّفق أن يكون ذلك الامر صادقا في نفسه ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 342
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٤٢