30 - ثم قال : « وكل واحد من هذه اما قريب واما بعيد » ، إلى آخره ، لم يرد أن كل واحد من الأسباب [ ك 212 ر ] فلا بدّ أن يكون هذه كلها ، بل أراد أنها لا تخلو أن يكون واحدا من هذه أو أكثر . [ أراد أن كلّ واحد من هذه الأربع ، أي أربع كانت ، يسبق المتقابلات ، فإنه لا يمكن أن يكون السبب قريبا بعيدا ، ولا عاما خاصا ، ولا بالفعل والقوة ، وأما الذي يمكن أن يكون قريبا وأعمّ وبعيدا وأخصّ . فان قيل : انا قد نقول : بنو ذبيان ، لا يوجد منهم أحد إلا كاذب أو شجاع أو فقيه . فيعطى هذا القول أن واحدا منهم يحصل له واحدة من هذه الخصال . فالجواب : ان القسمة التي استعملها هو انما كانت من المتقابلات ، ومن حيث هي من المتقابلات ، ولا بدّ للموضوع من قبول واحد واحد من كل متقابلين ] . ثم إن الذي بالعرض فمطرّح « 1 » ، لان طلبنا في البراهين انما هو مطابقة ما في الوجود ، وما بالعرض ليس في الوجود ، فليس هو اذن ممّا يلتفت ( لا ) اليه . فمناسبه اذن هو المعبر به ، وهو الذي تعتوره النسبة الباقية ، فان السبب الذي بالذات لا بدّ أن يكون قريبا أو بعيدا أو أعم أو أخص أو بالقوة أو بالفعل . لأنه لا يحتاج منها إلى أن يصير بحالة أخرى بل ينقل الحال إلى الحال الذي بالفعل مثل لها بنفسه العمل وهو ابيض ومثله حسن بالقوة . 31 - [ ثم قال : « وما كان المقاييس يفيد علم السبب الذي هو سبب بالعرض » ، فليس هو داخلا في البراهين أصلا ، اللهم الا أن أمسى البرهان بالعرض لما لم يمتنع أن يقال ، لما يفيد علم السبب بالعرض نوعا ما إذا الحق . فقال ما معناه : ان القياس الذي يفيدنا علم السبب الذاتي ، فيجعل عليه البرهان بالاسم والحدّ . وأما الذي بالعرض فقوته الأشبه . وقوله : « علم السبب » ، أراد الشئ الذي هو سبب من حيث هو سبب ] . 32 - ثم قال : « وما كان من البراهين يفيد السبب الذاتي القريب الأخص الذي بالفعل ، فهو الذي ينبغي أن يسمى باسم البرهان أكثر من غيره » ، [ يعنى أن البرهان على الاطلاق وهو الذي يفيد السبب والوجود معا ، أحرى باسم البرهان من الذي يفيد الوجود ، ومن الذي يفيد السبب وحده ] . ولان البراهين لما كانت ماهياتها أن تكون
المنطقيات للفارابي — صفحة 320
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢٠
هامش
( 1 ) - ك : مطرح .