يعبّر بالصورة ، كما فعل أرسطو ، لان الحدّ أدل على البرهان ، من حيث البرهان قول من الصورة . وأرسطو رأى أن البرهان يؤم به الوجود ، والصورة أقرب اليه ، لأنه يأخذ الصورة هنا مجموع الوجود . والحدّ في هذا الموضع أخص دلالة من المفهوم منه أولا ، وذلك أنه يعنى به هنا ما هو في الشئ وبالشيء ، والحدّ قد يكون أيضا مما هو خارج . 28 - وقوله : « وما يعدّ في الحدود أو معها » يعنى به ما تكون نسبته إلى الشئ نسبة السبب ، ويكون من الخفاء بحيث لا يمكن أن تثبت النفس فيه انه داخل فيه أو « 1 » خارج عنه . مثال ذلك أن نقول في حدّ الكسوف انه انطماس ضوء القمر ، ونقول فيه انه احتجابه بالأرض عن الشمس ، فان الاحتجاب والانطماس ليس بخارج عن الشئ ، ولا داخل فيه دخول السبب الذي هو بيّن أنه في الشئ . [ س 79 پ ] 29 - ثم قال : « والفاعل وما يعدّ معه » ، ولم يقل هنا ولا في الغاية : « ما يعد في الفاعل ولا ما يعد في الغاية » بل قال : معه فقط . ويشبه أن يكون ذلك ، لأنه لا يؤخذ في الفاعل ولا في الغاية ما يكون كالجزء لهما ، ولا يقال إنه يجري في أشياء مجراها ، مثل الملح في الطعام والالفاظ في الأقاويل ، فان الملح من الطعام ، على أن الملح جزء مادة ، والالفاظ على أنها من الأقاويل بمنزلة الخشب للخزانة . واما الآلة والذي له الصحة ، فليسا مع الفاعل ولا مع الغاية كذلك ، بل على أن لهما نسبة أخرى ، فان الآلة والحافظ لا نقول إنهما مع الفاعل ، على أن لهما حظا من فعله ، كما نقول ذلك في الملح . وكأن ما يقال إنه في الشئ هو أقرب أن يكون جزءا من ذلك الشئ ، فلما لم يؤخذ في الفاعل ولا في الغاية ما يكون له اليهما هذه النسبة التي نعبّر عنها بفى ، لم يقل : « ما يعد في الفاعل » ولا في الغاية . فأما ما يعدّ مع الفاعل ، فهو كما قيل مثل الآلة والحافظ ، ومع الغاية [ مثل ] الصحة وما له الصحة . [ ويتلوه : « واعلم أن الأسباب الأربعة » ] إلى قوله : « وكذلك في الإبريق » .
المنطقيات للفارابي — صفحة 319
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣١٩
هامش
( 1 ) - ك : ولا .