به سعالا ، وعلمنا أن له سببا ، ولكن لم نعلم [ ما ] ماهية ذلك السبب : هذا الانسان به وجع ناخس ، ومن به وجع ناخس فيه شوصة ، فبهذا الانسان شوصة ، وهو سبب السعال . فهذا البرهان ، لو كانت الحركة فيه من : هل بهذا الانسان شوصة أم لا ، لكان برهانا يعطى الوجود ، وانما كانت الحركة اليه من السعال محصلا ، فلم نتشوق علم وجوده ، وانما تشوقنا ما سببه . فهو اذن بهذا الطريق انما أفادنا السببية وحدها .
واما البرهان على الاطلاق ، فحكمه في مبدأ حكم حركته حكم برهان الوجود ، لكن الفرق بينهما ان برهان الوجود إذا أفادنا حدّه الأوسط وجود الأعظم للأصغر [ طرحناه فلم نحفل به بعد وهي التشوّق إلى علم سبب وجوده . وأما الحدّ الأوسط في البرهان على الاطلاق ، فإنه إذا أفادنا من جهة الترتيب القياسي وجود الأعظم للأصغر ] ، ووقع لنا مع ذلك بطريق آخر أن هذا الحدّ الأوسط الذي أفادنا الوجود هو سبب الوجود ، نقله الذهن لوقته من الرتبة التي هو فيها حدّ أوسط إلى أن يكون مرادفا للنتيجة ومعها ، كما هو في الوجود ، إذ الغاية بهذا الطلب كله مطابقة ما في الوجود ، فلم يبق حينئذ للنفس تشوق . ومثال ذلك : هذه الدار فيها طبيخ ، وكل دار فيها طبيخ ففيها نار ، ففي هذه الدار نار . فالطبيخ أفادنا من حيث هو حدّ أوسط العلم بوجود النار في الدار من جهة الوجود انه سبب وجودها .
فلما قصد أبو نصر أن يتكلم في البرهان من جهة ما هو حركة ، وكان للحركة طرفان : أحدهما مبدؤها والاخر نهايتها ؛ دل على المبدأ لها ، فيطلب إذ هو بمعنى يتحرك ، وعلى الطرف الآخر بالوقوف ، إذ هو دال على نهاية الحركة .
[ واعلم أن أرسطو ينظر في البراهين [ س 77 ر ] من حيث هي جزئية ، وبالجملة من حيث يؤم بها نحو العملي ، فله ان يشترط فيها أن تكون محمولاتها ذاتية وأول وخاصيّة حتى تكون مطابقة لما عليه الشئ في وجوده . وما هو في الوجود موضوع أخذه موضوعا ، وكذلك ما هو محمول لمعنى بهذا اليقين في الشئ ، على الجهة التي هو خارج الذهن .
وأبو نصر ينظر في البرهان على الاطلاق من حيث هو موجود من الموجودات
المنطقيات للفارابي — صفحة 310
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣١٠