11 - وقوله : « إذا أخذ اعتقادا ما في اعتقاده الأول » . الاخذ هاهنا انما هو من الوارد . وذلك أنه إذا ورد عليه قياس يعطيه في الامر الذي فيه الاعتقاد الأول اعتقادا يخالفه ، فإنه يأخذه من الوارد . ومعنى يأخذه يرى أنه قد انفرز أحد النقيضين ، لكنه يرى مع هذا أن هذا الذي يجرى مجرى الاعتقاد عن الوارد الان باطل بحسب الامر ، وان الذي لا يمكن غيره بحسب الامر هو اعتقاده الأول فيه . ومعنى كان عنده كان الامر عنده .
[ ويتلو هذا متصلا به قوله : « وذلك إلى غير نهاية » هنا إلى قوله : « كان عنده أنه لا يمكن غير ذلك إلى غير نهاية » ] .
12 - وقوله : « وذلك إلى غير نهاية » . لم يرد النهاية في الزمان ، بل أراد النهاية في الواردات ، لأن عدم الامكان ليس بالإضافة إلى واردات محدودة العدد ، بل إلى أي وارد ورد ، كان حكم الاعتقاد المأخوذ عنه بالإضافة إلى الأول انه باطل ، وان الذي لا يمكن غيره هو الأول . فهذه الاعتقادات الظاهرة أنها كثيرة ، قد تبين بتأمل هذا القول انها واحد ، وهو الصادق ، وغيره فصوله ذاتية يكمل منها في الذهن اليقين ، وهو معنى واحد .
وقد أخذها قوم من أهل زماننا على أنها اعتقادات كثيرة ، اعتقاد في اعتقاد وشهوة بحدّ الحد . [ ك 209 ر ] وذلك أنه اختلطت لهم جهة التصور بجهة الوجود ، فان الذي يلحق الحدّ من أن يكون له حدّ ، والجنس إلى غير نهاية ، هو لاحق لها من جهة تصوّرها لا من جهة وجودها . فان الأشياء التي بها وجود هذه الأمور ، كيف كان وجودها في الذهن أو من خارج ، هي محدودة لا تمضى من جهة وجودها إلى غير نهاية ، فإذا أخذت من حيث هي متصوّرات في الذهن ، حدث لها ذلك المرور إلى غير نهاية . ولما اتفق أن كان وجود اليقين في الذهن ، وكان ما يوجد في الذهن فوجوده بالتصوّر ، لم يفرّقوا بين الجهتين فغلطوا .
13 - ثم قال : « وما ليس بيقين ، فهو أن نعتقد فيما حصل التصديق به أنه يمكن أو لا يمتنع أن يكون في وجوده بخلاف ما يعتقد فيه » : فقوله : « وما ليس بيقين »
المنطقيات للفارابي — صفحة 305
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٠٥