تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
لمّا كان الصادق قد يكون في الظنّ ، وليس هو من خارج ، كما ظنّ قوم ، ولم يقل : بما هو كاذب في الحقيقة ، لأنه أراد أن يعمّ ما يكون في الجدل وسائر الصنائع . فإنه قد تكون القضية في الجدل كاذبة بالجزء ، وفي صناعة أخرى أكثر كذبا ، ولفظة بالحقيقة أدل على ما هو كاذب بالكل لا بالجزء ، فقال : الكاذب مطلقا ليعمّ هذه كلها . 9 - ثم قال : « والتصديق منه يقين ومنه المقارب لليقين » ، ففي الفصل الأول قسمه إلى موضوعيه ، وبالجملة [ س 74 پ ] إلى ما يكون فيه ، وهنا إلى ما هو بمنزلة الأنواع . ثم اعلم بقوله : « فالتصديق بالكاذب لا يقع فيه يقين أصلا » ، أي للامرين مما هو كالمادة للتصديق يخص اليقين وأيها لا تكون له . فلما أعطى فيما يكون اليقين ، شرع في حدّ اليقين . فقال : « واليقين هو أن يعتقد في الصادق » إلى آخره . فيقال : ان حدّه هذا ليس هو الحدّ المميّز فقط ، كما حدّ أرسطو ، فإنه قال فيه : هو الذي لا يمكن أن يكون بخلاف ما أعتقد . فحدّه أرسطو بما هو عملي ، وأبو نصر بما هو نظري . لان النظري يعطى قوة أزيد من العملي . فأبو نصر قصد أن يحدّه بما يعرف في نفسه لا بالإضافة إلى غيره ، بل بالأشياء التي بها وجوده من حيث يعطى تصوّره في نفسه . وحدّه هذا يعمّ الضروري وغير الضروري على ما يظهر مع أدنى تأمل . فلذلك لما كان قصده أن يحدّه بما يعرّف وجوده ؛ لم يكتف من أسباب وجوده بما يتميّز به عن غيره ، بل ذكر جميع ما هو موجود في الذهن ، فقال : « واليقين هو ان نعتقد في الصادق الذي حصل التصديق به » ، فذكر أولا ما لا يمكن ان يكون اليقين الا فيه ، وهو الصادق ، ثم ذكر الفاعل من حيث حصل التصديق به ، على أن الذي في الاعراب فاعل يعتقد ، لان التصديق في القضيتين المرتبطتين كما قلنا غير محصّل . فإذا انفردت إحداهما بالوارد فقد حصّلنا بسببها التصديق الذي كان مع ارتباطهما غير محصّل . فالقضية اذن التي هي للصادق هي التي حصلت التصديق على أنها سببه ، فسببه متعلّق بتحصيل لا بالتصديق . وهذا بيّن انه في وجود ما هو يقين ، من حيث اليقين ، انما يكون في أحد [ ى ] القضيتين