هكذا هو سبب . فان الحكم قد خرج عن الأسباب إلى ما ليست أسبابا . فليس هو خاصة للأسباب . إذ كان لا ينعكس عليها . ثم مثل ذلك بان قال : ويبيّن ذلك من أن الانسان إذا وجد ، وجد الحيوان ضرورة . والانسان ليس بسبب لوجود الحيوان ، وربما جرى الامر بالعكس . فان اللازم عن الشئ ربما كان سببا لوجود الشئ . يعنى ان بوجود الانسان يوجد الحيوان ، ( س 107 ر ) وليس الانسان بسبب لوجود الحيوان .
ثم قال : وربما جرى بالعكس ، ( ص 239 ) اى ربما كان الشئ الذي وجد بوجوده شئ آخر سببا لهذا الشئ الاخر الذي وجد بوجوده ، مثل المبنى والباني والكاتب والمكتوب . فان المكتوب يلزم عنه وجود الكاتب ، وليس المكتوب بسبب لوجود الكاتب . بل الامر بالعكس ، اى الكاتب هو سبب لوجود المكتوب .
ثم قال : وإذا تركب الوجود والارتفاع معا من جانب واحد ، بان يكون الامر إذا وجد ، وجد بوجوده شئ آخر ؛ وإذا ارتفع ، ارتفع بارتفاعه ذلك الشئ الاخر .
( ص 229 ) يعنى انه إذا كان تركيب الوجود والارتفاع من جانب ، اى يكون الشئ الذي يوجد بوجوده امر هو بعينه الذي يرتفع بارتفاعه ذلك الامر ؛ فإنه إذا كان هكذا ، كان الوضع قوى الاقناع واستعمل في أشياء كثيرة ، اى يستعمل في كلّ ما تقدم من استنباط الأشياء ، فانّهم يرون الامر الذي بوجوده يوجد شئ آخر وبارتفاعه يرتفع ذلك الشئ ، انه سبب لوجود ذلك الشئ . يعنى انهم إذا راو مثلا الشمس بوجودها يوجد النهار وبارتفاعها يرتفع النهار ، حكموا ان الشمس علة كون النهار وكان قوى الاقناع يظنّون بكل ما كانت هذه حاله انه علة وسبب .
ثم قال : وآخرون يستعملونه في استنباط الأحوال والصفات التي من جهتها يوجد الشئ الشئ . فإنه إذا كان محمول يحمل على شئ ما ، وكان لذلك أوصاف كثيرة ، وأردنا ان نستنبط وصفه الذي من جهته يوجد ذلك المحمول لذلك الشئ ، ( ص 240 ) ويعنى انه إذا كان موضوع ما يحمل عليه محمول ما ، وكان لهذا الموضوع أوصاف كثيرة يوصف بها عن هذا المحمول ؛ فانّا إذا أردنا ان نستنبط وان نعرف الوصف الذي من جهته يوجد ذلك المحمول لهذا الموضوع ، كان ذلك
المنطقيات للفارابي — صفحة 287
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٨٧