أن الضروري ثلاثة أصناف . واسمه منقول من الجمهور . ويستعمله الجمهور على كون الشئ مع عدم اختيارهم له ، أي ليس سبب كونه اختيار مختار . فالضرورى الذي هو أولى باسم الضروري هو الموضوع الذي لم يزل ، ولا يزال ، ولا يمكن البتة ان كان غير موجود ، ولا يمكن أن يكون غير موجود مثل للشمس . فهذا موضوعه دائم ومحموله دائم لم يزالا . والتالي له ما هو موجود ما دام موضوعه موجود ، كزرق زيد . والثانية فإنهما موجودان ما دام زيد وعينه موجودان . فإنه لا وجود لهما الا ما دام موجودهما باقيا . والتالي لهذا وهو الثالث ، وهو أخسها :
جلوس زيد وقيامه . فإنهما موجودان ، ما داما في موضوعهما موجودان . فإذا ارتفعا : لم يرتفع الموضوع .
وهذه كلها وغيرها ظنها جالينوس واحدة : وجعل هذه القسمة فضلا ومما بالعرض ؛ ولم يتميز له أنها طبائع متغايرة . فإنه قال ما هذا مثاله : انه لا فرق بين هذه القسمة وبين أن نقول إن الخمر منها أبيض ، ومنها أسود ، لأنها تكون في أبيض ، وفي أسود .
ولذي غلط جالينوس من كليات الضروري . وذلك أنها كلها سواء في ضرورية تلازمها في الذهن . فان كلى الشمس في لزوم محموله لموضوعه كلزوم الحيوان للانسان ، وكذلك الزرق للعين ، والجلوس للانسان . فتلخص له وجودها في الذهن ، وظهر له أنها سواء . فظن أن وجودها خارج الذهن كذلك ، فغلط أشد الغلط . وبها وجود ضروري آخر مثل الكسوف . فانا نقول فيه أنه يكون غدا بالضرورة . والفرق بينه وبين الممكن تحصيل وقت كونه . وكذلك قولنا في النار عندما لا تحرق لعائق ، أو لعدم مادة : انها بالضرورة تحرق . لكن هذه الطبيعة أيضا غير الكسوف . [ ك 202 ر ] وكأن أبا نصر انما ذكر ما هو أشهر . فقد تبين فضيلة ما يقال في الموجودات انه ضروري . وأما كلياتها فكلها في دوامها واحدة . فان كلى الانسان دائم ، وكذلك كلى الجلوس وسائرها . والامتناع انما يعرض وجوده بالإضافة . وذلك أنا إذا قلنا : ان الانسان ممتنع أن يكون حجرا ، فإنما معناه أن تكون
المنطقيات للفارابي — صفحة 186
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٨٦