الحيوان انه ملتح ، وجب أن نقول إن حيوانا آخر ليس بملتح ولا ناطق . فنقول في الفرس : انه لا ناطق ولا ملتح . فأوجبنا للأول القوة التي هي الملكة أو ما يجعل الان مكانها ويجرى مجراها كالناطق ، ولم نسلب عن الاخر شيئا ، بل أوجبنا له أيضا عدم الالتحاء . فلذلك نقول في الاسم غير المحصل انه دال على ايجاب وليس بسلب . وانما يكون هذا أبدا والموضوع موجود . فاما متى لم يكن موجودا ، فان ذلك سلب ، وليس باسم غير محصل . والسلب إذا كان موضوعه موجودا ، فلا فرق بينه وبين الاسم غير المحصل فيما يدل عليه ، والذي يعرض لما يكون هو وآخر تحت طبيعة مشتركة من أن يقال عليه عدم ما ، كان في نوعه الاخر أو في صنفه ، كالمرأة ، هو بعينه يقال فيما يعمه واحد الوجود ، لأنه يقام مقام الجنس في عمومه .
والفرق بين السلب والعدم في الجملة : أن السلب فك شئ عن شئ ، وليس فيه البتة ايجاب شئ لشئ .
وأما الاسم غير المحصل فإنه وان كان يفك عن موجود معنى ، فإنه يوجب له عدم ذلك الشئ المفكوك عنه . وإذا قلنا : هذا غير ملتح ، فان معنى هذا القول أن هذا المشار اليه مثلا ليس هو ذلك الاخر للذي هو ملتح . فإنما أثبتنا الغيرية من جهة الارفع حتى تكون صفة . لأنك إذا جعلت غير بالرفع كانت صفة ، فقد أوجبت له عدم الالتحاء . فهي إذا تكون بمعنى العدم حينا ، وبمعنى السلب حينا .
والعدم لا يوقعه الجمهور الا على ارتفاع الحد على اختلاف أصنافه . وأما المعدوم فلا يقترن به الا الجوهر . والذي من شأنه أن يكون فيه الشئ أولى باسم العدم . وذلك أنا إذا قلنا في انسان ما فقير : هذا فقير ، وكان صادقا ، فانا لم نبن بأنا قد رفعنا عنه ذلك . أما إذا قلنا في الصبى : انه لا ملتح ، [ ك 201 ر ] فانا رفعنا عنه اللحية ، والقوة باقية . وأما إذا صدق على الكهل أنه لا ملتح ، فإنه لا قوة ، ولا لحية .
وقول أبى نصر : كقولنا : « عدد لا زوج ، فإنه ايجاب معدول ، وهو رفع الشئ عما شأنه ، أو شأن بعضه ، أن يكون باضطرار زوجا » ، فهمه قوم على طريق التخيير . فان لنا أن نقول إن العدد شأنه باضطرار أن يكون زوجا ، من أجل أن الستة
المنطقيات للفارابي — صفحة 183
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٨٣