فأول ما يلحق المعقول في الذهن ان يدل عليه باأفاظ وانها معرفة لها خارج الذهن وبعضها لبعض ، وان منها كلية وجزئية ، وان منها محمولة وموضوعة على المجرى الطبيعي ، وعلى غير المجرى الطبيعي . موضوعة كذلك ، فان منها ما تكون بطبيعتها موضوعة على محموله بوجه ، ومنها ما تكون بطبيعتها محموله في موضوعه . ومنها ما تكون بطبيعتها محمولة بوجه وموضوعة بوجه . ومنها ما تكون محمولة وموضوعة على غير المجرى الطبيعي .
وإذا نسب بعضها إلى بعض في الذهن ، وجد بينها نسب ذاتية على انحاء ونسب غير ذاتية ، بل اتفقت بالعرض ، ووجد منها ما يتباعد ولا يمكن اجتماعها بوجه في موضوع . ووجد منها ما يتلازم في الوجود في موضوع اما بجهة ايجاب أو بجهة سلب . ووجد منها متقدمة ومتأخرة ومعا . ثم هذه الانحاء إذا تركبت ، حدث عنها معقولات مركبة كثيرة تتصرف بحسب قواها فيما يعم انحاء المعارف الخمسة وفيما يخص كل نحو منها على انفراده .
فالمعقولات التي هو معقولات أول ( س 37 پ ) إذا اخذت فيها المعقولات الثواني ، ونظر فيها الذهن من حيث فيها المعقولات الثواني ؛ كانت منطقية وموضوعات لصناعة المنطق . ومتى اخذت مجردة عن اللواحق ، وهي المعقولات الثواني ؛ لم تكن موضوعات لصناعة المنطق ، وتكون موضوعات لصنائع اخر بحسب ما تؤخذ .
ومثل ما يفعل في كثير من موضوعات الصنائع العملية ، مثل الجلد فإنه يصير موضوعا بنفسه لصناعة الدّباغ مثلا ولصناعة الرق مثلا . فإذا جعل فيه غرض ما من الصناعة ، صار بذلك الغرض موضوعا لصناعة أخرى . فان الجلد إذا حصل فيه بالصناعة صورة الرق ، صار بذلك موضوعا لصناعة الخط فيه . وإذا صارت فيه دباغة الحمرة ، صار موضوعا لصناعة القرق أو الخف أو المطارح بحسب ما يحصل فيه من غرض غرض .
وكذلك المقولات إذا اخذت بهذه الاغراض التي يفعلها الذهن فيها من
المنطقيات للفارابي — صفحة 133
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٣٣