فان الحاصل في النفس بالمعرفة ما يحاكى الشئ لا الشئ نفسه . لكن منها ما يحاكيه بما يقوّمه ، ومنها ما يحاكيه بما لا يقوّمه ، ما هو جوهر لشئ أو أشياء بها قوامه .
واما ما هو فهو خارج النفس ذات بنفسه لا جوهرا ولا ذاتا لشئ . فلذلك استحق ان يسمى جوهرا باطلاق ، وكان أحق باسم الجوهر وبالذاتية من كلياته ، إذ كليّاته جوهر وذات ، فهذا لا ذات ولا جوهر بذاته ، فان معنى ذات الشيء وجوهر الشئ واحد بعينه . فالذي هو ذات بنفسه وجوهر بنفسه احقّ ان يسمى جوهرا .
فلذلك قيل فيه انّه الجوهر الأول وفي كليّاته انها جواهر ثوان .
والعرض الكلى لما كان له موضوعان ، فله خارج النفس موضوعان يسند اليهما : موضوع هو شخص يعرف ذلك الكلى بذاته ، وموضوع هو شخص لا يعرف ذلك الكلى ذاته . فموضوعه الذي هو شخص يعرف من ذلك الكلى ذاته لا يمكن أيضا حصوله في النفس ، إذ لا يتحرك عن ( س 28 پ ) موضوعه الذي هو شخص الجوهر ولا يمكن ان يفارقه بما هو شخص .
وموضوع العرض الذي هو شخص لا يعرف هذا الكلى ذاته ، فقد يحصل في النفس باعراضه التي هي اشخاص العرض الكلى الذي الكلى يعرف ذاتها ، لكن الاشخاص عرض في شخص جوهر . فان اشخاص الجوهر انما تنتهى في النفس باشخاص العرض ، لا بشخص الجوهر من جهة ما هو شخص جوهر . فلذلك اشخاص العرض هي التي تعرف شخص الجوهر وتحصله في النفس من جهة ما هو شخص ، لكن يعرف اشخاص العرض شخص الجوهر ، اما تعرفه بأشياء خارجة عن ذاته .
ولما كانت لا تعرف الا بجهة العرض ، صارت عرضا باطلاق ، لأنها لا تعرف ذات شئ ما ولا جوهره كما تفعل كلياتها . فبقيت لها جهة واحدة من التعريف ، هي الجهة الأنقص من جهتي التعريف ، فكانت تلك الجهة باطلاق ، فاستحقت اسم العرض باطلاق .
المنطقيات للفارابي — صفحة 130
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٣٠