فقوله : ومن قبل ذلك صارت هاتان لا يمكن ان تكونا معا صادقتين ، واما المتقابلتان لهما ، فقد يمكن ذلك فيهما [ ان ] ؛ يعطى السبب في ان المتضادتين ، لا يمكن ان تكونا معا صادقتين ، وما تحتهما يمكن ان تكونا معا صادقتين ، والسبب أيضا في ان المتناقضتين تقتسمان الصدق والكذب دائما [ ملى 52 ] في كل مادة ، وهو ان القولين المتضادين لما كان البعد بينهما ابعد بعد محدود يمكن ان يكون بين قولين متقابلين ، وكان اللذان بينهما ابعد البعد قد يمكن ان لا يكون بين الطرفين اللذين هما في الغايتين متوسط ، وقد يمكن ان يكون بينهما متوسط ، والمتوسط هو ما كان الأصل من الطرفين ، والذي يسلب المحمول عن جميع الموضوع هو في الطرف الأقصى من الذي يوجب ذلك المحمول لجميع ذلك الموضوع .
والتضاد في الأقاويل يشبه التضاد في الأمور ، فالطرفان بأسرهما لا يمكن ان يوجدا معا في موضوع واحد ، فلذلك لا يصدق القولان المتقابلان معا . واما ما هو داخل من الطرفين ، وهو الذي يوجب ويسلب في البعض ، فإنهما جميعا دون الطرفين وكأنهما متوسطان . فقد يمكن أحيانا ان يوجد المتوسطان معا ، فان المتوسط هو مجتمع شئ من أحد الطرفين إلى شئ من الطرف الآخر . فالقضيتان الجزئيتان إذا كانتا متقابلتين قد تجتمعان على الصدق ، لأجل انهما متوسطان [ مج 48 ] بين الطرفين ، الا ان ذلك غير ممكن الا في المادة الممكنة .
فان الممكن لما كان كالمتوسط بين الذي يوجد دائما وبين الذي هو غير موجود دائما ، أمكن ان يوجد بين القولين المتضادين متوسط بينهما ، فيصدقا في المادة الممكنة . واما في الضرورية ( 38 ر ) والممتنعة فغير ممكن . لان المتضادين في الضرورية والممتنعة لا يمكن ان يوجد بينهما متوسط . ولان المتضادين قد يرتفعان عن الموضوع ، ويوجد المتوسطان . فلذلك يصدق ما يجب المتضادين في الممكن ، ويكذب المتضادان . غير أنه في المادة الممكنة لا يمكن ان يرتفع الطرفان والأوسطان معا . فإنه لا يخلو اما ان يوجد أحد الطرفين . [ ملى 53 ] وذلك امّا الطرف الموجب واما الطرف السالب ، واما المتوسطان ، ولا يجوز
المنطقيات للفارابي — صفحة 70
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٧٠