فان قال قائل : فانا نقول : زيد كان [ ملى 19 ] يمشى ، ونقرن الكلمة الوجودية بفعل ، فتصح العبارة ولا يكون هذيانا .
فالجواب ان قولنا : كان ، في قولنا : زيد كان يمشى ، لم يدخل على أن يكون رابطا ، بل انما ادخل للدلالة على زمان ماض . وذلك ان قولنا : يمشى ، في هذا المكان انما يدل به على زمان حاضر . فإذا أردنا ان ندل على حاضر لمن تقدمنا أو على ما كان حاضرا من الزمان المتقدم لنا حين كنا في ذلك الزمان ، دللنا عليه بقولنا :
كان يمشى .
وعلى أن لفظة « كان » انما تدل على قولنا : يمشى ، متى اخذناها دالة على زمان حاضر لمن تقدمنا قبل الان الذي نحن فيه في اللسان العربي فقط . وذلك ان الكلمة الدالة على الزمان الحاضر في ساير الألسنة لها بنية تخصّها تدل بنيتها على زمان حاضر لا غير . واما في العربية لضيقها عن هذه الأشياء ، فان الكلمة الدالة على الحاضر شكلها شكل الدالة على المستقبل ، فتؤخذ في ساير الألسنة الكلمة الدالة على الزمان الحاضر ، فيقرن بها حرف يغيّر به شكلها تغييرا ما ، فيدل به على زمان حاضر قد تقدّم فيغنى بذلك عن تقرن به « كان » . فتلك الزيادة انما دلت على حاضر قد تقدّم ، لا على ارتباط المحمول بالموضوع . فلذلك صارت لفظة « كان » في العربية تدل إذا قرنت بقولنا : يمشى ، على ما يدل عليه ذلك الحرف الذي غيّر بنية الكلمة الدالة على الحاضر لنا الان ، فصيره حاضرا قد تقدم . وإذ كان ذلك الحرف ليس يدل على ارتباط ، بل على التقدّم فقط ؛ كانت ( 18 پ ) قوة « كان » هذه القوة بعينها ، ولم يلتفت بعد ذلك إلى ما عليه دلالة لفظة « كان » من معنى الوجود ، بل اسقط عن لفظة « كان » معنى الوجود ومعنى الرباط حين قرن بيمشى وذلك للاضطرار الداخل على اللسان العربي .
واما الأسماء [ ملى 20 ] المشتقة فان الكلم الوجودية تستعمل معها على أنها روابط . والدليل على ذلك انها قد تتصرف في الأزمان . فانا نقول : كان ماشيا ، وسيكون ماشيا ، وهو الان ماش . فليست الأسماء المشتقة كلما أصلا لا مصرفة ولا غير مصرفة . [ مج 24 ] وهذا انما ظنّ به أكثر ذلك في اللسان العربي ، إذ كان ليس لهم كلمة
المنطقيات للفارابي — صفحة 32
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢