اشهر المقدمتين هي الّتي يتداولها الناس بألسنتهم ، وهي ابدا مرسومة في نفوسهم . والّتي هي أقل شهرة هي التي لا يخطر ببال الناس ، حتى إذا اذكروا بها ، اعترفوا ، والامر في هذا بيّن .
واما في البراهين ، فانّه يكون ذلك في ان يكون المقدمة قد علم وجود محمولها لموضوعها ، ولكن لم يعلم أنها موجودة لكلها . ومقدمة أخرى تكون محمولها بيّن الوجود لجمع موضوعها .
فإذا كان وجود ب لج خفيّا ، وكان خفاؤهما على السّواء ، أو كان خفاء وجود ب لحد ج ، دون خفاء وجود ا لحد ج الذي هو النتيجة المقصودة ؛ استعمل ح الاستقراء . واما متى كانت مقدّمة ب ج خفاؤها أكثر من خفاء نتيجة ا ج ، لم يمكن ان يستعمل الاستقراء عند ذلك . لأنه لا سبيل إلى أن يصير معلوما بالاستقراء ، لان الاستقراء كما قد قيل فيما تقدم ليس لها واسطة . فإذا كانت خفيّة ، ولم يكن لها واسطة ، كان بيانها بالاستقراء . وإذا كان خفاؤها مثل خفاء النتيجة المطلوبة وهي ا ج ، [ ا ] وكان خفاؤها دون خفاء النتيجة ا ج ؛ أمكن ان يتبين الاستقراء . واما إذا كان خفاؤها أكثر من خفاء النتيجة المطلوبة ، احتيج إلى بيانها بمتوسطة .
فمن هاهنا يتبين ان الاستقراء انما يزيل من المقدمة التي لا واسطة لها ( 519 ملى ) بعض ، وذلك أنه يصدق بالمقدمة ، ولكن قد لا يعرف بها كلّيّة . فإذا اخذت تلك المقدّمة صغرى ، كانت النتيجة جزئيّة فيكون خفاء النتيجة ح ليس لان النتيجة لا يلزم ، ولكن لان كونها كلّيّة خفى . وسبب ذلك الخفاء هو خفاء كلّيّة المقدمة الصغرى ، فيكون ح خفاء المقدمة الصّغرى مثل خفاء النتيجة .
فاما إذا كانت المقدّمة الصغرى غير معلومة أصلا ، لا كلّيّتها ولا وجود محمولها لشئ من موضوعها ، فإنما يكون ذلك متى كان وجود ب غير معلوم أصلا لشئ من جزئيات ج ، فإذا كان كذلك ، لم يمكن ان يتبين هذا بالاستقراء . وكان وجود ب لحد ج خفيا خفاء تامّا . فإنه لا يمكن ان يكون وجود ب معلوما من أول الأمر لشئ من جزئيات ج ، أو يكون علّة علمها قريبا ، فيخفى خفاء تامّا ان ب موجودة لج .
المنطقيات للفارابي — صفحة 530
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٥٣٠