يستفيد علما قد كان فيما تقدم ذلك العلم بعينه ومن كل وجوهه ، فإذا كان الثاني غير الأول فليس بتذكر . اللهم الا ان يسمّى مسمّى هذا العلم الحادث إذا اجتمع في الانسان مع العلم الأول تذكرا . فهو انما يسمّى بهذا الاسم به ما لم يجر عادة الناس ان يسمّوه بهذا الاسم ، ولا الذين قالوا : ان العلم تذكر ، أراد وا هذا .
ثم قال : لأنا إذا علمنا أن هذا الشئ مثلث ، فقد علمنا أن زواياه مساوية لقائمتين .
( ب 289 ) يخبر بهذا القول العلم الذي يحدث عنه احساسنا بهذا الشئ انه مثلث ، وذلك علم حال هذا المحسوس ، وانه لا يتأخّر علم حادث عن احساسنا انه مثلث .
فكأنه قال : انما يكون كانّا عالمين بحال هذا المحسوس قبل الاحساس ، لأنا إذا علمنا بالحس ان هذا الشئ مثلث ، علمنا مع ذلك ان زواياه مساوية لقائمتين . فهذا يوهمنا انا كنّا عالمين بها قبل ذلك ، فنظن ان زوايا هذا المثلث المحسوس قائمتان ، ونذكر ما كنّا علمناه . وليس كذلك ، بل حدوث علم خاص بهذا المثلث المحسوس بنحو يعمّه وغيره .
ثم قال : وكذلك يعرض في ساير الأشياء ، ( ب 289 ) يعنى كما لزم في المثلث ، ( 460 ملى ) كذلك يلزم في ساير الأشياء التي لها كليات ، وأحوال لكلياتها سبقت معرفتنا بهذا . مثل قولنا : كل انسان حيوان ، وهذا الذي نراه من بعيد هو انسان ، فنعلم حينئذ ان هذا الذي نراه هو حيوان ، فالذي نراه من بعيد انما علمناه انه انسان بالحسّ . فكما علمنا أنه انسان بالحس من ساعته ، علما انه حيوان ، يحدث لنا علم به انه حيوان علما بنحو يخصّه . فان العلم الذي علمناه انه حيوان ليس بشركة في هذا العلم الحادث لنا به عمرو ، قد كنا من قبل نرى انه انسان كنا نعلمه حيوانا علما لا يخصّه بل علما بشركة عمرو . فذلك الوقت كنا نعلم أنه حيوان علما مشتركا لا يخصّه وحده ، ولم يكن نعلمه حيوانا علما يخصّه .
فلذلك قال : فهو بيّن انا بالعلم بالعامّى نعرف الجزئيات ، واما بالعلم الجزئي فلا نعرفها . ( ب 289 ) يعنى انه قد يتبيّن بما قلنا انّا انّما كنّا نعلم الاشخاص قبل احساسنا ، ونعلم أحوالها علما لا يخصّها بل علما يعمّها . واما العلم الذي
المنطقيات للفارابي — صفحة 477
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٧٧