ليس يدل به على أن القوة التي بها يحسّ الحيوان توجد له في الزمان المستقبل ، بل انما يدل به على أنه يقبل فعل هذه القوة في الزمان المستقبل ، كقولنا : يبصر ويسمع . وكذلك « يتنفس » انما نعنى به يستنشق النفس بريته ، أو انه يتغدّى ، وذلك كله فعل من افعال النفس وهي القوة التي بها يتغذّى الحيوان .
واما أسماء الجواهر الثواني فإنه بيّن انها لا تجعل كلما أصلا ، إذ كانت لا تقال على طريق الاشتقاق ، ولا تدل على موضوع أصلا .
وقد يسال سائل عن قولنا : « حيّ » وهو اسم يستعمل في الدلالة على ما يدل عليه قولنا : « حيوان » ، وهو دال على جوهر ماثان ، وهو اسم مشتق . وقولنا :
« يحيى » كلمة ، فكيف صار جوهر ما ، فان اسمه مشتق ، وكيف صار يدل عليه بكلمة .
فإن كان هذا كذلك ؛ فان هذا الجوهر له موضوع ، إذ كان الاسم المشتق يدل ابدا على موضوع . وكذلك قولنا : « يحيى » ان كان كلمة ، فإنها تدل أيضا على موضوع ، وتدل ابدا على ما يحمل على غيره .
فالجواب في ذلك ان قولنا : « حيّ » شكله شكل مشتق ، وهو شكل مشترك ، قد يكون لما هو مشتق اسمه ، ولما هو ليس بمشتق اسمه . وذلك ان أحد شرايط المشتق اسمه ، ان يكون دالا على موضوع . ( 13 پ ) وقولنا : « حيّ » قد نعنى به أحيانا ما نعنى بقولنا : ذو نفس ، فحينئذ يكون اسما مشتقا في الحقيقة . فإنه لا فرق بين قولنا : « حيّ » وبين قولنا : « متنفس » ، فعند ذلك يكون دالا على فصل ما . فانا قد نقول : « جسم حيّ » ونعنى به جسما متنفسا . فعلى هذه الجهة نعنى بلفظ الحياة ، ما نعنى [ ملى 10 ] بقولنا : النفس الغاذية . فلذلك سمى أرسطوطاليس النبات حيّا ، ولم يسمه حيوانا ، وافلاطن سماه بالاسمين جميعا . وذلك ان الحيوان انما يدل على ما له مع القوة الغاذية قوة الحسّ . وقد نقول في الشئ ، أو في الحيوان ، انه حيّ ، ونعنى به انه باق على الحيوانيّة ، فبقاؤه ليس هو جوهره ، بل انما بقاؤه بالإضافة إلى الزمان ، ونعنى به انه ممتدّ وجوده مع الزمان . فان قولنا : الحياة [ مج 17 ] انما نعنى به بقاء الحيوان
المنطقيات للفارابي — صفحة 23
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٣