فلما احصى من كم جهة يعرض المطلوب ان لا يتبرهن ، وكان وضع المطلوب الأول هو أحد ما لا يتبرهن من المطلوبات ، صار بعد هذا إلى أن يبيّن امر وضع المطلوب الأول ، ويبيّن على كم صنف هو ، واى فساد يلحقه ، وفي اى شكل يكون ، وفي اى مادة ، واى شئ يلحق ذلك المادة حتى يمكن وضع المطلوب الأول . وليس وضع المطلوب الأول هو ان يتبرهن الموضوع . وذلك ان من الأشياء ما يعرف من نفسه ، ومنها ما يعرف من غيره ، لان الأوايل من نفسها يعرف ، واما ما تحت الأوايل فمن غيرها ، فان تعاطى أحد أن يبين الشئ من نفسه ، وهو ما لا يتبيّن الا من غيره ح ، يقال لذلك : وضع المطلوب الأول ، ويكون اما بان يستعمل في المقدّمة المطلوب الذي يقصد البرهان عليه ، واما ان ينتقل إلى أشياء بيانها بالمطلوب ، فيتعاطى تبيين المطلوب منها . مثل ان يوضع بيان ا بب ، وبيان ( 261 مج ) ب بج ، وبيان ج با . لأنه يعرض الذين يقيسون هكذا ان يبينوا بنفسه ، كفعل الّذين يظنون أنهم يبرهنون الخطوط انهم يستعملون في المقدمات ما لا يتبرهن الا بالخطوط المتوازية . فاذن يعرض للذين ( 331 ملى ) يقيسون هكذا ان يقولوا : ان كل واحد من الأشياء موجود ، ان كان كل واحد منها موجودا ، وعلى هذه الجهة يكون الأشياء كلّها معلومة بنفسها ، وذلك محال .
لما عرف أولا ان وضع المطلوب الأول هو داخل تحت جنس ما لا يتبرهن من المطلوبات ، واحصى أصناف ما لا يتبرهن ؛ عرف بعد ذلك ان وضع المطلوب أول ، والمصادرة على المطلوب لأول ليس هو باطلاق ان لا يتبرهن المطلوب ، لكن لا يتبرهن المطلوب وهو بحال ما . فهذا معنى قوله : وليس وضع المطلوب الأول هو ان يتبرهن الموضوع . وذلك ان الموضوع كما قد قيل يقال : انه لا يتبرهن على جهات كثيرة ، فلذلك صارت المصادرة على المطلوب الأول ليس هو على الاطلاق ان لا يتبرهن المطلوب بالجهة الّتي يقولها الان .
والمصادرة على المطلوب الأول كما قد قلنا قد يكون في العلوم البرهانية ، وقد يكون في الجدل الا انها يكون في الجدل ما هو مظنون انه مصادرة على المطلوب الأول ، واما في العلوم البرهانية ، فما هو بالحقيقة انه مصادرة على المطلوب الأول .
المنطقيات للفارابي — صفحة 364
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٦٤