من مقدمتين متناقضين ، وان الطرفين اما ان يكونا شيئا واحدا ، واما ان يكون أحدهما جزأ للاخر . فقوله : ان القياس يكون من مقدّمتين متناقضتين ، يعنى مثل قولنا : كل انسان عنزايل مثلا ، ليس كل انسان عنزايل ، وهذان متناقضان . ونتيجة هذا ان اخذ في الشكل الثالث ان بعض ما هو ، عنزايل ليس بعنزايل . وإذا كان كذلك ، فهذه النتيجة تناقض ذاتها . وذلك ان بعض ما هو كذا ليس هو كذبا ، فالكذب في هذه النتيجة اما ان يكون في قولنا : بعض ما هو عنزايل ، أو يكون قولنا : ليس بعنزايل .
وذلك ان قولنا : بعض ما هو عنزايل قد اخذ فيه ان شاء ما هو عنزايل ، ثم حكم على ذلك الشئ انه ليس بعنزايل . والنتيجة قد جمعت هذين ، ففيه كذب لا محة .
وانما يلزم ذلك من قبل ان النتيجة ينطوى فيها بالقوة ما في المقدمتين جميعا .
ومن هاهنا ظنّ بواتيوس ( 306 ملى ) ان نتائج الشكل الثالث يعلم بأنفسها ، إذا كانت مقدّماتها هي نتائجها أو قربية من نتائجها ، وذلك ان موضوع النتيجة في الشكل الثالث يكون قد انطوى فيه المقدّمة الصّغرى ، ومحموله انطوت فيه الكبرى . مثال ذلك كلّ انسان حيوان ، ولا انسان واحد طاير ، ينتج بعض ما هو حيوان إذا ليس هو بطاير . فقولنا : بعض ما هو حيوان هو محمل قولنا كل انسان حيوان ، لان الانسان هو بعض حيوان ، وقولنا : ليس هو بطاير هو سلب أيضا عن ذلك البعض الذي وصف انه حيوان .
فإذا كان ذلك ، فان المقدّمتين متى كانتا صادقين ، كانت النتيجة صادقة في موضوعها ومحمولها جميعا ، فلا يكون قد انطوى فيها كذب بوجه أصلا . فإذا قلنا : كل ( 242 مج ) انسان حجر ، وكل انسان حيوان ، ينتج بعض ما هو حجر حيوان . فالكذب في النتيجة قد انطوى فيها بسبب موضوعها . وذلك ان بعض ما وصف بالحجر ، وصف صفة كاذبة . وامّا من جهة محمولها فليس بكذب ، من قبل ان البعض الموصوف بالحجر صفة كاذبة قد لا تمنع ان يصدق الحيوان عليه .
وعلى هذا المثال قولنا : كل انسان حيوان ، ولا انسان واحد حجر ، ينتج بعض ما هو حيوان ليس بحجر ، فالنتيجة صادقة من الجهتين جميعا . فعلى هذا المثال
المنطقيات للفارابي — صفحة 343
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٤٣