وقوله : مقربه ، ( ب 269 ) يريد بذلك المعينين جميعا اعني المعلوم الذي لا يشك فيه ، والمعنى الثاني ان يكون مخاطبك يعترف به .
فامّا المستقيم فان الامر بعكس ما عليه الامر بالخلف . وذلك ان الذي يوضع في قياس الخلف ويؤخذ جزو القياس يكون مجهول الحال في الصّدق والكذب والنتيجة ، ويكون بينة الامر . واما في المستقيم فان المقدمات يكون معلومة ، والنتيجة يكون اخفى من المقدمات ، وفي قياس الخلف يكون المقدمة اخفى من النتيجة .
وذلك ان المقدّمة التي تضعها وأنت منتظر لما يكون منها ، انما تضعها ، وهي حقيقة الامر عندك ، اما في الحقيقة واما فيما بينك وبين مخاطبك ، والكذب المنتج عنه يكون ظاهرا جدّا . فهذا أحد الفروق بين الخلف وبين المستقيم .
ثم ذكر الفرق الثاني ، [ 250 ملى ] فقال : وكلا البرهانين من مقدمات مقربها ، ( ب 269 ) يريد ان في البرهان المستقيم مقدمات مقربها ، وفي الخلف أيضا مقدمة مقربها ، الا ان الذي في الخلف مقدمة واحدة مقربها ، وفي المستقيم كلى المقدمتين مقرّ بها .
ولما قال : كلا البرهانين فيها مقدمات مقربها ، اخذ بعد ذلك ( 198 مج ) يلخّص على اى طريق يوجد في المستقيم مقدمات مقرّ بها ، فأخبر ان الذي في المستقيم كلتا مقدمتيه مقرّ بها ، وفي الخلف احدى مقدمتيه مقرّبها ، فقوله : المستقيم يكون من المقدّمات التي عنها قياس ، أو يعنى به انها ضروريّة وذاتيّة في القياس ، واما الّتي في الخلف فاحدى مقدّمتيه صادقة ، وهما سبيلهما وبذاتهما ان يستعمل في القياس ، ويجعل جزء قياس ، والمقدّمة الأخرى نقيضا للنتيجة الآخرة .
وذلك ان برهان الخلف يشتمل على ثلث نتائج ، والنتيجة الأخيرة هي المطلوب بقياس الخلف . واما النتيجتان اللتان قبلهما فإنما تستعمل في قياس الخلف قوة تينك النتيجتين ، وباستعمال القوة النتيجتين يصير إلى هذه النتيجة الأخيرة .
وقد لخّصنا هذه الأشياء في المقالة الأولى .
المنطقيات للفارابي — صفحة 293
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٩٣