تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
والفرق بين البرهان المستقيم ، والّذي بالخلف ان الذي بالخلف يضع ما نريد ابطاله ، إذ يسوق إلى كذب مقرّ به . واما المستقيم فإنه يبتدى من مقدمات مقرّ بها صدق . وكلا البرهانين من مقدمات مقرّ بها ، الا ان المستقيم يكون من المقدمات التي عنها القياس ، واما الذي بالخلف فاحدى مقدمتيه من مقدمات القياس المستقيم ، ( ب 269 ) ليس يجب ضرورة ان يكون النتيجة معروفة قبل كون القياس ، واما الّذي بالخلف فإنه يجب لا محالة ان يعرف هي ليوضع نقيضها ، ولا فرق في ذلك بان يكون النتيجة موجبة أو سالبة . وهذه فروق ثلثه بين المستقيم وبين الخلف ، ظهرت أيضا من هذه الأشياء الّذي يثبت من امر قياس الخلف . وهذه الفروق ظهرت عما سلف على طريق الفوائد ، وعلى [ 197 مج ] طريق أشياء تتبع أشياء في الظهور . وذلك ان ما سلف القول فيه من امر قياس الخلف لم يكن قصد بها بيان هذه الفروق ، لكن قصد بها تبيين أمور [ 249 ملى ] يتبع بيان تلك الأمور ان معها هذه الفروق . أحدها ان القياس المستقيم يوضع فيه مقدمات كلها صادقة ، اى معترف بها ، امّا من الناس كلهم ، أو ممّن يخاطبه . واما برهان الخلف فإنه يضع فيه المقدّمة التي يقصد بها ابطالها ، إذا ساق القياس بأمره إلى نتيجة كاذبة لا يشك في كذبها ، وذلك انما يكون احدى مقدمتيه . فان بتلك المقدّمة انما يضعها ليبطلها من بعد ، ويكون سبب ابطالك لها انها يسوق إلى كذب لا يشك فيه ، فيكون سوقها ذلك هو سبب ابطالك لها . فقوله : إذ يسوق إلى كذب مقربه ، ( 269 ) هو سبب ابطالك لها ، وأنت أول ما تضعها ليست تضعها على أنها باطلة ، وانما تضعها منتظرا لما يكون من نتيجتها . فان كانت نتيجتها كاذبة ، لا تشك في كذبها ، أبطلتها ح ، وصرت إلى نقيضها . وان كانت نتيجتها اما صادقة واما مجهولة الحال ، لم يبطل ذلك الشئ الذي وضعته في القياس منتظرا لامره .
المنطقيات للفارابي — صفحة 292 | أبو نصر الفارابي