ما دامت تلك المناسبة سليمة .
الا ان الحجة البرهانيّة التي لا مطعن عليها ، المنتزعة من الصدق والكذب ، هي ان يجرد النظر في الصدق والكذب على ما افتتحنا به تلخيص هذه الحجة .
وهو ان ننظر فيما يمكن ان يصدقا إذا وضع أحد الاعتقادين صادقا ، كما وضعت في المثال الذي ذكره ، ويوضع أحد الاعتقادين كاذبا ، ثم نظر في الذي يصدق مع الأول ، وفي الذي يكذب مع الثاني ، وفي الذي يقتسم الصدق والكذب دائما .
فان الامر إذا جرى على هذا الطريق ، كانت الحجة برهانا . وذلك ان يقال : ان ايجاب ضد المحمول ، لما كان قد يصدق أحيانا مع ايجاب المحمول في مثل ان يعتقد ايجاب المحمول لموضوع ما . وليكن ذلك كاذبا ، فانا إذا استقرينا ما يمكن ان يصدق معه صدقا دائما ، لم يوجد الا سلب المحمول عن ذلك ( 129 ر ) الموضوع وفي كل موضع . مثل قولنا : في سقراط ، انه عادل بعد موته ، فإنه كاذب . وجميع ما يمكن ان يظنّ انه مقابله ، فكله كاذب عليه ، الا سلب العادل عن سقراط . فإذا هذا هو الضد .
[ 207 ملى ] .
وكذلك في الكليات متى لم تكن موجودة ، وكذلك إذا وضعنا السالب صادقا في مثل هذه ، واستعملنا فيه المثال الذي جاء به أرسطوطاليس . يبيّن ان الايجاب أشد مضادة من ساير ما يظنّ انه مضاد . وذلك ان السلب بيّن انه يصدق على أكثر مما يصدق عليه ايجاب الضد . مثال ذلك قولنا : ليس بعادل ، يصدق على أكثر ممّا يصدق عليه قولنا : هو جائر . فهو يصدق على ما هو جائر ، ويصدق على ما ليس بجائر ، ولا يمكن ان يصدق على ما هو عادل . فإذا العادل [ 167 مج ] هو أشد مضادة لاعتقادنا سلب العدل . فبهذه الجهات تصير هذه الأقاويل برهانية . واما على حسب ظاهر ما يفهم من لفظ فهو جدلّى . فهذا آخر حججه .
والمثالات التي استعملها في هذه الحجج كلها مثالات مهملة في الظاهر .
فلذلك احتاج إلى أن يردف بما يبين به انه لم يقصد بشيء مما تكلم به المهملات ، بل ذوات الاسوار . ثم من ذوات الاسوار ما ليست تصدق معا في شئ واحد
المنطقيات للفارابي — صفحة 250
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٥٠