واما حدوث العلم بالاعتقاد الصادق عن العلم بكذب شئ ، فإنما يكون ذلك بان يكون المتقابلان معا في نفس الانسان ، ووقعت له الشبهة والتشكّك ، وطلب الصدق في اى المتقابلين هو . فالّف لأجل ذلك قياس خلف ، فلذلك قال هذا القول . وقوله : فالتكوّن انما يكون من المتقابلات ، ينبغي ان نفهم ان حدوث وجود الموجودات ، أو حدوث اعتقاد ، انما يكون [ 160 مج ] أولا من [ 194 ملى ] المتقابلات التي على طريق الايجاب والسلب ، فمن هذه إذا تدخل الشبهة أولا . فهذا ينبغي ان نفهم من أقاويله . ثم اردف ذلك بحجة أخرى برهانية صحيحة . وهو ان كل واحد من الموجودين المتضادين انما يرد على الموضوع ، ليحصل موجودا فقط على الأول ، فيعرض من ذلك ان يبطل وجود الاخر . مثال ذلك إذا سخن الماء بالطبع ، أو سخن الهواء بالطبع ؛ فإنما ذلك على تحصيل السخونة في الهواء ، فيعرض ان تزول البرودة بالقصد الثاني . فالدليل على ذلك ان ماهية السخونة ليست هي انها مزيلة الحرارة ومفقدة لها ، فإنما هي مفقدة للحرارة بعرض لها ، وكذلك ماهية البرودة ليست انها مزيلة للحرارة عن الموضوع الذي ترد عليه البرودة . فإذا زوال الحرارة عن البرودة وبطلانها ليست لها في ماهيتها ، بل انما توجد لها ثانيا وبالعرض . وعلى هذا المثال ايجاب البرودة بالهواء على القصد « 1 » ( 122 ر ) الأول ، به « 2 » اعتقاد وجود البرودة في الهواء ، لا زوال الحرارة عن الهواء ، وجود الحرارة في الهواء « 3 » ، أو علم وجود الحرارة في الهواء . وكذلك ايجاب السخونة في الهواء انما القصد به ان يصح الاعتقاد والعلم بوجود الحرارة في الهواء ، لا ان يزول به الاعتقاد الأول ان كان هناك اعتقاد ، ولكن يعرض ان يزول . فلذلك صار ايجابنا ضد الشئ في الموضوع الذي فيه الشئ
المنطقيات للفارابي — صفحة 237
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٣٧
هامش
( 1 ) - ملى : للهوى الصد
( 2 ) - در ملى « به » نيست
( 3 ) - در ملى « وجود الحرارة في الهواء » نيست