يمكن ان تكونا كاذبتين ، بل انما تعرض الشبهة في ايّهما هو الصادق وايّهما هو الكاذب . والحيرة انما تعرض بين ما هو بين الصادقة والكاذبة اللتين تقتسمان الصدق والكذب باضطرار .
واما ما لا يؤمن ان تكونا كاذبتين معا ، فليس تعرض الحيرة فيهما . وان عرضت ؛ فان الحيرة تعرض بين اللتين إحداهما صادقة والأخرى كاذبة ضرورة هي أشد حيرة ، والشبهة الواقعة فيها أشد . والتشكك الكائن فيهما يوقع حيرة اشدّ مما كانت الحيرة فيما بينها أشد ، فهما أشد تضادا من التي لا يمكن ( 120 ر ) ان لا تكون بينهما حيرة ؛ أو ان كانت بينهما حيرة ، كانت أقل .
وان كان المتقابلان من جهة الايجاب والسلب لا يمكن ان يكذبا معا على موضوع واحد في جزو واحد من ذلك الموضوع ، لزم ضرورة أن تكون الحيرة فيما بينهما أشد من الحيرة فيما بين متقابلتين توجبان ضدين في موضوع واحد .
ومع ذلك فان الموجبة و [ 191 ملى ] السالبة المتقابلتين بذواتهما وأنفسهما ، وبطبيعة التقابل الذي لهما ، لا تكذبان ولا تصدقان معا على موضوع واحد في جزو واحد . فلذلك لم يخل هذا الامر منهما ، ولا في مادة من المواد .
واما المتضادتان اللتان تقابلهما من جهة تضاد موضوعهما ؛ فان الاعتقادين اللذين يقتسمان الصدق والكذب ، لا بطبيعتهما من حيث مادتاهما متضادتان ، لكن ما يعرض لهما أحيانا من أن يكون فيهما قوة تقابل الايجاب والسلب ، فلذلك قد يخلان بهذا الامر في كثير من الأوقات . فذاك معا متقابلين من جهة ما هما اعتقادان متقابلان ، ولا قولان متقابلان ، ولذلك صارت الحيرة بينهما أقل ، فإذا تضاد - هما أقل ، ودون تضاد الموجبة [ 158 مج ] والسالبة . هذا الذي اراده أرسطوطاليس عندي بهذا القول .
ثم قال :
وما تقع فيه الشبهة ، هو ما منه يكون أيضا التكوّن ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 234
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٣٤