وأزيد في الشئ الذي به تكون المقايسة . والتكوّن عن سلب الشئ المتكوّن ، هو تكوّن عما هو اشدّ مقابلة ، غير تكوّنه عن ضد التكوّن . فإذا السالب بحسب ما عليه طبيعة الأمور اشدّ ، كان ذلك حدوث علم ما .
وقد يحدث العلم بصدق اعتقاد ما ( 121 ر ) عن كذب مقابله ، مثل ما يعرض ذلك في قياسات الخلف ، فإنه يلزم عن كذب [ 159 مج ] أحد المتقابلين ، صدق المقابل الاخر ، فيكون الاعتقاد الصادق انما حدث عن كذب مقابله . وانما يكون ذلك ، إذا كان كذب مقابله يلزم باضطرار صدق ما هو ضد الاعتقاد . وبيّن ان الموجب المقابل له ليس يلزم كذبه ضرورة صدق هذا الاعتقاد ، إذ كان يمكن [ 193 ملى ] أن تكون الموجبتان المتقابلتان كاذبتين ، على ما تقدّم القول فيه .
فإذا المقابل الذي يلزم عن كذبه صدق هذا الاعتقاد هو المقابل على جهة السلب فقط . فالذي يلزم صدق الاعتقاد عن كذبه ضرورة من المتضادين ، هو اشدّ مضادة من الذي قد يلزم عنه حينا أو لا يلزم حينا ، فمن الجهة قد تبيّن ان السلب المقابل للايجاب اشدّ مضادة للايجاب من الايجاب للايجاب .
وقد يمكن ان يكون أراد بالتكوّن هاهنا حدوث الاعتقاد الصادق عن الصدق ، لا عن كذب مقابله . وذلك لأجل أنه قال : ما تقع فيه الشبهة ما منه أيضا يكون المتكوّن . يريد بالشبهة التشكّك . فان التشكّك إذا وقع في شئ ما : هل هو الصادق أو مقابله ، فان حدوث العلم بالصادق منهما قد يكون عن كذب مقابله .
وانما قال : ما تقع فيه الشبهة هو ما منه أيضا يكون التكوّن ، انما قال ذلك ، لان تكوّن العلم بصدق الصادق عن كذب المقابل الاخر ، انما يكون ابدا فيما وقعت الشبهة فيه والتشكّك .
فان التشكّك انما يكون بان يخطر بالبال الاعتقاد ومقابله معا . فاما حدوث العلم بالطبع أو بالاتفاق بان يحدث صدق أحد الاعتقادين المتقابلين ، اما بالطبع واما بالاتفاق ؛ ( 121 پ ) فليس يكون عن العلم بكذب مقابله أصلا ، إذ كان ولا في احدى هاتين الحالتين لا يخطر ببال الانسان مقابل الصادق الذي حصل له علمه .
المنطقيات للفارابي — صفحة 236
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٣٦