محموله لضد موضوعه هو أشد مقابلة من ايجاب ضد محموله لذلك الموضوع بعينه ، ومن سلب ذلك المحمول من ذلك الموضوع . فإذا كان الذي هو احرى بالمضادة من جهة [ 153 مج ] المادة ، ليس يجعل مضادتها مضادة في الاعتقاد ولا في القول ؛ فالذي هو احرى ان يكون أقل مضادة من التي موادها متضادة ، احرى ان لا يكون مضادا . فإنه لو كان ما محموله مضاد لمحمول الموجب مضادا بسبب تضاد مادتى المحمولين ، لكان ما يضاد الموجب في موضوعه ومحموله احرى ان يكون مضادا . وذلك ان المضاد في المحمول [ 185 ملى ] يشارك الموجب الأول في الموضوع ، وما يتضاد في المحمول والموضوع فهو يتضاد في الامرين ، وما يتضاد في الامرين ان أحدهما ابعد من الاخر التي تتضاد في امر واحد .
وبيّن ان الموجبين المتضادين في المحمول والموضوع ليسا متضادين في القول ولا في الاعتقاد . ويتبيّن ذلك من أن هذين قد يكونان لازمين أحدهما للاخر ، ويشتركان في الصدق والكذب . مثل ان الحياة ان كانت خيرا ، فالموت شر ؛ والأذى ان كان شرا ، فاللذة خير ؛ والصحّة ان كانت خيرا ، فالمرض شر . فكلاهما صادقان ، بل أحدهما لازم عن الاخر . وان لم يكن أحدهما لازما عن الاخر ، فهما يشتركان في الصدق : امّا كلها ، وامّا كثيرا منها .
فإذا لم يكن يجعل التضاد في الأقاويل من جهة تضاد المواد فيما هو احرى ان يكون فيه تضاد ، فالأخلق بما هو احرى ان يكون غير مضاد ان لا يكون مضادا ولا في غاية التباين . فإذا التضاد في الأقاويل ليس ينبغي ان يحتفظ في شئ منها بتضاد المواد ، ( 117 ر ) بل بتضادها بنفسها ، من جهة ما هي أقاويل ، ومن جهة ما هي اعتقادات . فإذا المقابل ليس هو الموجب بل السالب .
فهذا معنى قوله :
فنقول : ان ظنّنا ان العقدين المتضادين انما يحدّان بأنهما لشيئين متضادين باطل . وذلك ان الاعتقاد في خيرانه خير ، والاعتقاد في شرّ انه شرّ ، خليق ان يكون
المنطقيات للفارابي — صفحة 228
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٢٨