والامكان والقوة والقدرة والاستطاعة هي أسماء ينبغي ان نفهم الان على أنها مترادفة ، غير أن كثيرا من الصنائع تستعمل هذه الالفاظ على معان مختلفة . وذلك ان كثيرا من الناس قد اعتادوا ان يوقعوا اسم الاستطاعة والقدرة على القوة التي هي نطق أو مقرونة بنطق ، فلذلك لا يسمّون ما سوى الانسان من الحيوان مستطيعا ولا قادرا . وجرت عادة كثير من الناس ان لا يوقعوا اسم القوة الا على الشئ الذي به نفعل فعلا كثيرا أو عظيما أو سريعا ، ويجعلون مضاد هذه القوة الضعف ، وهو ان يكون الشئ الذي به نفعل ليس بكثير الفعل في العدد ولا بعظيم ولا بسريع ، فهذا معنى الضعيف . ( 106 پ ) ويوقعون اسم القوة على المقابل للضعف .
واما هاهنا فإنه ينبغي ان نفهم من جميع هذه معنى واحدا . وينبغي ان نعلم أن الممكن ربما دل به على حال موضوع الشئ ، وربما دل به على حال محمول الشئ . مثال ذلك قولنا : النار ممكنة ان تسخّن الحديد ، والسخونة ممكنة ان توجد في الحديد .
فان الممكن في القول الأول يدل به على حال ما للنار ، ليس يمكن أن تكون عنها لا سخونة . ولكن قد يماس النار الحديد فلا يسخّن الحديد ، ليس لأجل ان القوة التي في النار قد بطلت ، أو انّها هي السبب في ان لم تسخّن الحديد ، ولكن عسر قبول الحديد للحرارة ، فالعايق للسخونة ولفعل تلك القوة هو في الحديد . فإذا كان كذلك ، فالسخونة في نفسها ممكنة ان توجد وان لا توجد في [ 168 ملى ] الحديد عن النار . وهذا الامكان هو كاين في السخونة ، لا بحسب الإضافة إلى النار ، لكن بحسب الإضافة إلى ما في الحديد من العائق عن قبول فعل النار فيه .
وكذلك لو اتفق ان كانت مادة سريعة القبول لفعل النار فيها ، وكان هناك عائق من خارج ؛ لكان الامكان الذي في السخونة من أنها ممكنة ان توجد في الحديد عن النار وان لا توجد ، من جهة ذلك العائق ، لا من جهة النار ولا من جهة المادة .
ولذلك جعل أرسطوطاليس الممكن الذي استعمله في القضايا ، وفي مقدمات القياس ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 208
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٠٨