تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
والقوى التي بها تفعل الأجسام أو تنفعل ، منها ما هي نطق ، أو مقرونة بنطق ؛ ومنها ما ليست هي بنطق ، ولا مقرونة بنطق . وانما قلت : نطق أو مقرونة بنطق ، لان كثيرا من الناس يرى أن النطق أولا هو الذي به يفعل الانسان ، لا بقوة أخرى ، فإنهم يرون ان الإرادة هي نطق ما . وآخرون يرون ان الإرادة ليست هي بنطق ، ولكنها شئ اخر وقوة أخرى مقرونة بنطق . وهاهنا ليس ينبغي ان يبالي الانسان كيف ما كان ، كانت تلك القوى التي يفعل بها الانسان افعاله الإرادية نطقا ، أو مقرونة بنطق . وجميع هذه القوى بها يقال في الشئ انه ممكن ان يفعل كذا أو ان ينفعل . والمثال الأول اخذه من الأشياء التي قواها التي بها تفعل أو تنفعل ليست بنطق ولا مقرونة بنطق . فقال : ومثال ذلك النار فإنها تسخّن كل ما لقية وقوتها ليست بنطق ، يعنى ليست قوتها نطقا ، ولا مقرونة بنطق . وينبغي ان نفهم من قوة النار وقوى ساير الأجسام ( 106 ر ) التي تشبه النار ، انها قوى تصير بها الأشياء مستعدة لان تفعل فعلا واحدا فقط ، أو مستعدة لان تقبل فعلا واحدا فقط ، لا ذلك الشئ وضده . وانما ليست تفعل دائما ، امّا لأنها لا تجد مادة ، وامّا لان تعلق عن فعلها بشيء من خارج لا من ذاته ، واما ان تضعف قوتها بان يزول بعضها ، أو بان تكون المادة التي فيها تفعل عسرة القبول لفعلها . فاما ان يكون عنها فعل مضاد لذلك الفعل ما دامت فيها تلك القوة ، فلا . بل يكون عنها ضد ذلك الفعل بان تزول تلك القوة ، وتخلفها في ذلك الجسم بعينه ضدها . وهاهنا قوى في أجسام اخر بها تفعل أو تنفعل . الا انّها بتلك القوة الواحدة مستعدة لان تفعل فعلا ما وضد ذلك الفعل ، أو ننفعل انفعالا ما وضد ذلك الانفعال . فهذه هي التي يقال فيها انها ممكنة لان تفعل الشئ [ 167 ملى ] وان لا تفعله ، أو تفعل ضده ، أو ممكنة ان تفعل شيئا ما وان لا تنفعل ، أو ان تنفعل ، أو ان تنفعل ضد ذلك الانفعال . فهذه هي التي تكون واحدة بأعيانها لأشياء [ 139 مج ] كثيرة و - لأضدادها .
المنطقيات للفارابي — صفحة 207 | أبو نصر الفارابي