نقايس بين المتقابلات ذوات الاسوار .
غير أن من العدم ما يقرن اليه ضدّ ، ومنه ما لا يقرن اليه ضدّ ما يبقى فقد الشئ على حالته من غير أن يخلفه ضده . مثل العمى والصلع والعرى والفقر . فان هذه كلها فنود لا يخلف المفقود موجود هو ضده . واما العدل والجور ، والفضيلة والرذيلة ، والحرارة والبرودة ، فان هذه ملكات ، ولكل واحد منها عدم ما . الا انه إذا فقد أحد هذه ، لم يمتنع ان يخلف ما فقده ضده .
فتصير القضايا العدميّة على ضربين . ضرب عدمي مقرون بملكة هي ضد الملكة التي فقدت في الوضع كقولنا : [ 89 ملى ] الانسان عادل والانسان جائر . فان قولنا : جائر هي مقدمة عدمية ، من جهة ان في الذي يوجد له الجور فقد العدل فيما شانه ان يوجد له العدل ، الا انه خلف مكان العدل الذي فقد ، ضد العدل ، وهو الجور أيضا . فان كثيرا من الناس ( 60 ر ) يسمون الأخس من المتضادين عدم الضد الاخر .
مثل العدل والجور ، فان للجور يسمونه العدم ، والعدل الملكة . والشجاعة والجبن ، فان الجبن يسمونه عدم الشجاعة ، وما احسبهم يسمون التهور عدم الشجاعة . وكذلك في ساير الأشياء الاخر مثل الحرارة والبرودة . فان البرودة يجعلونها عدم الحرارة ، ولا يجعلون الحرارة عدم البرودة . وكذلك في [ 77 مج ] الرطوبة واليبوسة ، فان اليبس يجعلونه في باب العدم ، ولا يجعلون الرطوبة ملكة .
فقوم من المفسرين يأخذون القضايا العدمية عند هذه المقايسة اخس المتضادين على أنه هو عدم الضد الاخر . وقوم منهم يجعلون المقدمة العدميّة اى ضدّ اتفق ، بعد ان يكون ضدّا مقرونا بعدم الملكة التي فقدت . فعلى هذا القياس يكون العدل عدم الجور ، والحرارة عدم البرودة . فيكون قولنا : الانسان عادل ، عدميّة قولنا :
الانسان جائر . لكن كثير من المفسرين يأبون ذلك ويستشنعونه ويجعلون المقدمة العدمية هي التي محمولها من الضدين الضد الأخس ، والبسيطة القضية التي محمولها الضد الأفضل .
المنطقيات للفارابي — صفحة 115
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١١٥