على العدم الذي ذكره في كتاب المقولات « 1 » ، فإنما يدل من وجه على شئ واحد ، لان العدم ليس بطبيعة وذات مثل الملكة . فان الملكة هي طبيعة قائمة ، وانما تصير شيئا بالإضافة إلى الموضوع على ما قلنا في هذا الكتاب . وقوله : فواجب ان يكون كل ايجاب وسلب مؤلفا امّا من اسم غير محصّل أو كلمة غير محصّلة ، يعنى اما من اسم وكلمة ، فالامر فيه بيّن ؛ واما من اسم غير محصّل أو كلمة غير محصلة ، فمثل قولنا : لا انسان هو ابيض ؛ واما من اسم محصّل وكلمة محصّلة ، فهو مثل قولنا : الانسان لا يصح ولا يمشى ، غير أن العادة قد جرت ان يدل [ 83 ملى ] بها على السلب لا على العدم . ولكن لما كانت الكلمة يجتمع فيها الموضوع ، مثل ما في الاسم المشتق ، ومعنى الوجود ، والمعنى الذي يحمل مثل قولنا : يصحّ ؛ فإنه يدل بنفسه على صحّة مقترنة بمعنى يوجد صحيحا ؛ وقولنا : لا يصحّ متى قصد الانسان ان يقرنه بمعنى « يوجد » ، كانت الكلمة دالة على السلب . ومتى قصد ان يقرنه بمعنى الصحيح أو الصحّة ، كانت حينئذ الكلمة غير محصّلة . غير أن العادة جرت ان لا يتميز للجمهور الذين هم أهل اللغة هذا التمييز كله ، جعلنا قولنا : لا يصح ، سلبا على ما جرت به عادتهم . ولان المنطق انما يتضمّن ان يحصى المعاني من حيث تدل عليها ألفاظها المشهورة ، وكان معاني الكلمة المقرون بها حرف السلب من حيث تدل عليها ألفاظها سلبا ؛ جعلنا قولنا : الانسان [ 72 مج ] لا يصحّ ، وزيد لا يمشى ، سلبا ، لا ايجابا معدولا . وانما يتميز العدول من السلب البسيط في القضايا التي يصرح فيها بالوجود . كما تقول : الانسان يوجد عادلا ، فإنه إذا قرن حرف « لا » بيوجد كان سلبا ؛ وإذا قرن بالعادل ، كان ايجابا معدولا . واما في التي فيها معنى الوجود بالقوة ، فلا يتبين فيه المعدول من المسلوب . ولذلك لما ( 57 ر ) كانت القضايا بحسب ما جرت به عادة العرب لا يصرّح فيها
المنطقيات للفارابي — صفحة 108
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٠٨
هامش
( 1 ) . - 12a، 26