والرويّة وساير تلك الأشياء التي ذكرها أرسطوطاليس . ويلزم في الملل كلّها ان لا يكون الانسان مختارا لفعل ( 54 پ ) شئ أصلا . فيكون ما يلحقه من العقاب في الدنيا والآخرة لا عن شئ منه كائن بإرادته ولا باختياره . فيكون اللّه ، تعالى ، الذي هو المثيب والمعاقب غير عادل في فعله . وهذه أيضا كلها شنعة ومستنكرة في الملل كلها وضارة ان يعتقد الناس ذلك جدا جدا .
وينبغي ان نقول فيها قولا يحل هذه الشكوك من غير أن يلزم الحل شنعة :
لا بحسب الامر الموجود ، ولا بحسب المشهور ، ولا بحسب الملل . فقوم أجابوا في ذلك ان اللّه ، جل ثناؤه ، يعلم كل موجود بحسب وجوده . فيعلم الضروري ضروريا ، والممكن ممكنا ، ويعلم متقابلات الضروري على حسب ما هي عليها ، ويعلم متقابلات الممكن بحسب ما هي عليها . ولا يزيدون في الجواب على أكثر من ذلك .
فهذا لعمري جواب يدفع به سؤال من يقتنع بالجمل ، فإذا يقصى قليلا .
فليس في هذا الجواب ان اللّه ، تعالى ، لا يعلم صدق أحد المتقابلين على التحصيل ، ان كان ما يلزم بحسب وجود الممكن لا يكون صدق أحد المتقابلين فيه صدقا على التحصيل ، فلم يزد المجيب على أن اعترف بان اللّه ، تعالى ، لا يعلم الشئ الممكن قبل كونه . [ 69 مج ] ولكن الجواب الصحيح فيه هو ان يقال : ليس لزوم الشئ عن الشئ ضرورة وهو ان يكون الشئ اللازم ضروريا في نفسه . وذلك ان صدق القول الموجب يلزم عند ضرورة وجود الامر . وليس يلزم من ذلك ان يكون الامر ضروري الوجود في نفسه . ولكن يكون لزومه لصدق القول لزوما ضروريا . وليس إذا كان الشئ يلزم شيئا آخر لزوما ضروريا يكون هو في نفسه ضروريا . مثل ما يلزم النتائج التي هي ممكنة في ذواتها القياسات التي تنتجها لزوما ضروريا من غير أن تكون النتائج اللازمة ضرورة ( 55 ر ) ضرورية في أنفسها . [ 80 ملى ] فان امكانها لا يرتفع باضطرارية لزومها عن المقدمات .
المنطقيات للفارابي — صفحة 104
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٠٤