نعلمها نحن . واما في الممكنة فان صدق أحد المتناقضين فيها على غير التحصيل عندنا وفي أنفسها . ولذلك صارت [ 78 ملى ] الممكنة من جهة ما هي ممكنة مجهولة بطباعها ، فإنها بطباعها تمنع أن تكون معلومة عندنا ، من غير أن يكون سبب جهلنا لها عجز طباعنا عنها بان بعض وجودها هي .
واما الضرورية فليس السبب في جهل ما نجهل منها طبيعتها ، بل نقص ( 54 ر ) طبيعتنا نحن . فإذا كان كذلك ، فلو ارتفع البعض عن طبيعتنا نحن لصار صدق كل متناقضين في الضرورية عندنا في التحصيل على مثال ما هو في ذاته وهي عدم التحصيل في متناقضى الممكن على حالته .
فإذا كان الامر كذلك ، فقد يسئل السائل عن علم اللّه ، عز وجل ، بأحد المتقابلين في الأمور الممكنة هل هو محيط به ؛ فإن كان كذلك ، فكيف حال صدق أحد المتقابلين عنده ، جل ثناؤه : هل صدقه عنده بحسب علمه به على التحصيل ، أو لا . فإن لم يكن دال على التحصيل عنده ، فقد صار في عدم التحصيل عنده مثل ما هو عندنا . فإذا اللّه ، تعالى ، لا يعلم في الأمور المستقبلة الممكنة اى المتقابلين [ 68 مج ] يحصل :
هل الموجب أو السالب . فتكون تلك مجهولة عند اللّه ، تعالى . فيكون اللّه ، تعالى ، غير عالم بالأشياء قبل كونها . وذلك شنع وغير مقبول . والملل كلها واردة بغير ذلك . ويشبه ان يكون ضارا جدا في ان يعتقد الناس ذلك . فإذا كان كذلك وكان اللّه ، تعالى ، يعلم صدق أحد المتقابلين على التحصيل ، فليس عدم التحصيل فيه من نفس طبيعة الامر ، ولا جهلنا نحن بها سببه طبيعة الامر ، بل نقص طبيعتنا نحن . فإذا كان كذلك ، فصدق أحد المتقابلين هو في ذاته على التحصيل ، وان لم نعلم نحن ذلك . فيكون على مثال عدم التحصيل عندنا في الضرورية المجهولة .
فإذا أخذنا ذلك ، عاد الشك الذي ذكره أرسطوطاليس وهو ان ما علم صادقا انه سيكون ، فلا يمكن ان لا يكون . فيكون وجود ما يوجد [ 79 ملى ] في المستقبل ، متى كان القول عليه قبل ذلك صادقا ، ضروري الوجود . فتعود الأشياء كلها ، فتكون ضرورية في أنفسها . فتصير الأشياء ممكنة بحسب علمنا فقط . فترتفع الإرادة
المنطقيات للفارابي — صفحة 103
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٠٣