لا في نفسه ولا عندنا . وهو الذي قاله : ليس ينبغي ان يفهم في كل مستقبل : بل في المستقبلات الممكنة ان توجد وان لا توجد . وليس في المستقبلات التي توجد لا محالة مثل الكسوفات الجزئية وأشباه الكسوفات . بل انّما ينبغي ان يفهم ذلك في الممكنة من الأمور ( 44 پ ) .
فهو الان مبتدى في الفحص عن المتقابلات في الأمور الممكنة ، هل الصادق من كل متقابلين منها صادق على التحصيل ، والكاذب منهما كاذب على التحصيل ، أو كل واحد منهما في كل متقابلين على غير التحصيل ، ويعمل في تلك على أن الممكن موجود في نفس طبيعة الأمور بيّن الوجود بنفسه ، ويجعل فحصه عن الأقاويل والاعتقادات المتقابلة فيها .
وليس الامر في ذلك على ما يقوله جل المفسرين ، فإنهم يقولون إنه يفحص في هذا الموضع عن الممكن : هل هو موجود في طبيعة الأمور أم لا ، ويأخذ حال المتقابلات في الأمور الممكنة في اقتسامها الصدق والكذب على أنها هي الأعرف ، أو هي المعلومة بنفسها ، حتى يكون علما ان المتقابلات في كثير من الأمور المستقبلة اقتسامها للصدق والكذب على غير التحصيل في أنفسها معلوما بنفسه ، بعلم أول بيّن لا يشك فيه . وأنتم تعلمون ان الامر ليس كذلك . بل نحن من أول أمرنا ربما فطرنا عليه ، نعلم أن كثيرا من الأمور ممكنة أن تكون وان لا تكون ، وأول شئ هو [ ملى 64 ] الذي يعلم أنه إلى اختيارنا وإرادتنا .
وانما صار قوم يرفعون الامكان عن الأمور لا بالمعرفة الأولى ، ولكن بالوضع والشريعة والقول ، وفطرهم تضطرّهم إلى أن تكون اعمالهم وافعالهم تابعة لما في فطرهم ، فليس تلتفت فيما هو معلوم بالفطرة إلى ما يظنه قوم انه غير ذلك بالشريعة .
وعلى أن الفحص في المنطق وفي الفلسفة بالجملة انّما هو بأشياء وعن أشياء معلومة بالفطرة ، واما أشياء لازمة عن الأشياء المعلومة بالفطرة ، من غير أن تستعمل فيها مقدمات [ مج 57 ] شرعت أو لزمت عن أشياء شرعت ، ولا أشياء
المنطقيات للفارابي — صفحة 84
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٨٤