وكلّ واحد من تلك الثّلاثة مركب من اسم وكلمة مستقبلة .
والكلمة المستقبلة في النداء ، فان العادة قد جرت فيها أن تكون مضمرة . وتلك الكلمة هي مثل : اصغ ، واسمع ، وما قام مقامهما ، ولم يصرح بها لبيانها ، وانها تكاد أن تكون واحدة لا تتبدل . فكأنه انما صرّح من جزأي [ ب 49 ر ] النداء بالذي يتبدل متهما .
وكلّ واحد من الباقية يقرن بالكلمة التي فيها حرف « لا » فيصير كل واحد منهما ضربين متقابلين .
امّا الجازم فيصير ايجابا وسلبا ، والأمر يصير امرا ونهيا . كذلك التضرع والطلبة ، الا أن هذين ليس لكل واحد من متقابليه اسم يخصّه في اللسان العربي .
فامّا النداء فليست الكلمة المضمرة فيه الا مقولة بما يجاب من قبل أنه ليس ينادى أحد لئلا يسمع أو لا يصغى وأما الامر والنهى فليس لهما في اللسان العربي اسم يجمعهما ، فاضطررنا إلى أن نسمّيهما جميعا باسم أحدهما وهو الأمر .
والقول غير التام هو كل قول أمكن أن يكون جزءا لأحد هذه الخمسة .
وقوم يزعمون أن التي ليست منها جازمة قد تكون كاذبة ، أو صادقة . وزعموا انّها انّما تكون صادقة ، متى قصدنا بالأمر أو بغيره من الأقاويل الباقية من الأربعة أن يفعل الذي يخاطب ما هو ممكن في نفسه ، أو ممكن له أن يفعل ، وتكون كاذبة متى قصد أن يفعل ما ليس بممكن .
وليس الأمر على ما قالوا . وذلك أن هذه ، متى بقيت أشكالها على حالتها ، لم تصدق ولم تكذب . ولكن هذه قد يمكن أن تتبدل أشكالها إلى أشكال الجازمة ، فيقوم المفهوم عنها بعد التبديل مقام ما يفهم من أشكالها الأول . فحينئذ تصير صادقة ، أو كاذبة .
فان قولنا : « يا زيد » ينبغي أن تقبل ، هو جازم يقوم مقام قولنا : « يا زيد ، أقبل » ، وهو أمر .
المنطقيات للفارابي — صفحة 90
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٩٠