مثال ذلك زيد ، فان أينه الأول مقعّر الهواء من البيت الذي هو فيه ، ولأجل ذلك هو في بيت من الدار ، وفي دار من المدينة ، وفي مدينة من جملة البلد ، وفي بلد من المعمورة ، وفي المعمورة من الأرض ، وفي الأرض من العالم ، وفي العالم .
وهذه كلّها أينات ، غير أنّه انّما يقال انّه في الأعمّ ، من أجل أنّه في الأخصّ ، إلى أن ينتهى إلى مكانه الأخصّ المساوى له من البيت الذي هو فيه ، وهو مقعّر الهواء المنطبق على بسيطه الذي يخصّه .
وأنواع الأين منها ما هو أين بذاته ، ومنها : ما هو أين مضاف . فالذي هو أين بذاته كقولنا : في الدار وفي البيت وفي السوق . وما هو أين بإضافة فهو مثل فوق وتحت وأعلى وأسفل [ ب 32 پ ] ويمنة ويسرة وقدام وخلف وحول ووسط وفيما بين وما يلي ، وعند ومع وعلى وما أشبه ذلك ، الا أنّه ليس للجسم الا أين مضاف أو يكون له أين بذاته .
القول في الوضع . والوضع هو أن تكون أجزاء الجسم المحدودة ، محاذية لأجزاء محدودة من المكان الذي هو فيه أو منطبقة عليها . وذلك يوجد لكلّ جسم ، لأن كلّ جسم فله أين على وضع ما . وذلك مثل ما للانسان ، فان له أنواعا كثيرة من الوضع ، كالقيام والقعود والانتصاب والاضطجاع والاتكاء والانبطاح والاستلقاء ، فان أجزائه المحدودة مثل الرأس والظهر والكتفين وسائر اجزائه يكون كلّ واحد منها في كلّ واحد من هذه الأوضاع محاذيا لجزء من المكان الذي هو فيه أو منطبقا عليه . فإذا تغيّر وضعه ، تصير تلك الأجزاء بأعيانها محاذية لأجزاء أخر من أجزاء المكان .
وقد تتغيّر الأمكنة ، فلا تتغيّر الأوضاع ، إذا كانت أجزاء الجسم تحاذى في المكان الثاني نظائر الأجزاء التي كانت تحاذيها في المكان الأول ، وكذلك في سائر الحيوان وفي النبات . وتلك حال الأجسام المتشابهة الأجزاء . وليس وضع الجسم في مكان هو أن له وضعا من جسم آخر ، فان وضعه في مكان ليس هو بالقياس إلى جسم آخر ، بل بالقياس إلى نفسه .
المنطقيات للفارابي — صفحة 62
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٦٢