والكم منه أيضا ما قوامه من أجزاء فيه لها وضع بعضها عند بعض ، ومنه ما قوامه من أجراء ليس لها وضع بعضها عند بعض .
وما قوامه من أجزاء فيه لها وضع بعضها من بعض ، هو الذي تكون أجزاؤه كلها موجودة معا ، وتجد كل جزء منه في جهة ما من جهات ذلك الكم ، وتكون تلك الجهة محدودة ، يمكن أن يرشد إليها امّا بالإشارة ، وامّا بالقول ، ويكون الجزء الذي يجاوره ويلتئم به من باقي أجزاء ذلك الكم محدودا أيضا ، فيعلم بأي جزء من سائر أجزائه يلتئم ويتّصل . فما وجد في اجزائه هذه الشرائط الأربع فهو الذي قوامه من أجزاء فيه لها وضع بعضها عند بعض .
وأبين مما يكون ذلك في الأجسام المختلفة الأجزاء ، مثل الانسان ، فانّ أجزاءه توجد معا ، وأي جزء أخذت منه مثل رأسه مثلا ، فانّك تجده في جهة ما منه ، وتلك الجهة محدودة يمكن أن يرشد إليها ، وهي الجانب الأعلى منه . وتعلم مع ذلك أي جزء يجاور وبأي جزء يتّصل ، فانّه يتّصل بالرقبة .
وكذلك الجسم المتشابه الأجزاء ، مثل الذهب ، لان الجزء الذي تفرضه أنت وتجده هو مثل الرأس الذي هو محدودة بالطبع . فانّك تجد أيضا ذلك الجزء من الذهب في جانب منه ، ويمكنك أن يرشد اليه انه من فوقه أو أسفله أو غير ذلك من الجوانب ، ويعلم [ ب 23 پ ] مع ذلك انّه يتّصل من أجزائه الباقية بالجزء الذي هو من يمينه أو يساره . وكذلك الخطّ والبسيط والجسم ، فانّ في كلّ واحد منها تلك الشرائط الأربع .
ولا تقدر تجد ذلك في الزمان ، فانّ أجزاء الزمان لا توجد معا ، إذ لا يمكن أن يلبث أصلا ؛ ولا أجزاء اللفظ ، فانّ حروفه كلّما نطق بشيء منها مضى ، فلا يمكن أن يوجد منها اثنان معا .
وأما العدد فليس بشيء منه جوانب ، إذ ليس يكن أن يكون في مكان أصلا ، ولا أيضا أجزاؤه تلتئم بعضها ببعض لا باتّصال ولا بمماسّة . فهذه الثلاثة لا وضع لأجزائها ، إذ كانت تنقص من شرائط الوضع ، امّا كلّها وامّا بعضها .
المنطقيات للفارابي — صفحة 48
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٨