وعلى هذا يوجد أكثر الشعر .
والأقاويل الشعرية هي التي شأنها أن تؤلف من أشياء محاكية للامر الذي فيه القول . فان محاكاة الأمور قد تكون بفعل ، وقد تكون بقول . فالذي بفعل ضربان :
أحدهما أن يحاكى الانسان بيده شيئا ما ، مثل ان يعمل تمثالا يحاكى به انسانا بعينه ، أو شيئا غير ذلك . أو يفعل فعلا يحاكى به انسانا ما أو غير ذلك .
والمحاكاة بقول هو ان يؤلف القول الذي يضعه أو يخاطب به أمور تحاكى الشئ الذي فيه القول وهو ان يجعل القول دالا على أمور تحاكى ذلك الشئ . ويلتمس بالقول المؤلف مما يحاكى الشئ تخييل ذلك [ ب 273 ر ] الشئ ، اما تخييله في نفسه ، واما تخييله في شئ آخر ، فيكون القول المحاكى ضربين : ضرب يخيل الشئ نفسه ، وضرب يخيل وجود الشئ في شئ آخر ، كما تكون الأقاويل العلمية . فان أحدهما يعرّف الشئ في نفسه مثل الحدّ ، والثاني يعرّف وجود الشئ في شئ آخر مثل البرهان .
والتخييل هاهنا مثل العلم في البرهان ، والظن في الجدل ، والاقناع في الخطابة .
فان افعال الانسان كثيرا ما تتبع تخيلاته . وذلك أنه قد يتخيل شيئا في أمر أمر فيفعل في ذلك ما كان يفعله لو اتفق بالحس ، أو بالبرهان وجود ذلك الشئ في ذلك الأمر ، وان اتفق ان يكون الذي خيل له ليس كما خيل . مثل ما يقال : الانسان إذا نظر إلى شئ يشبه بعض ما يعاف ، فإنه يخيل اليه من ساعته في ذلك الشئ انه مما يعاف ، فتقوم نفسه منه وتتجنبه ، وان اتفق أنه [ ح 123 ر ] ليس في الحقيقة كما خيل له .
كذلك يعرض للانسان عندما يسمع الأقاويل التي تحاكى ، فتخيل في الشئ امرا ما . وذلك أن الذي يراه ببصره فتخيّل اليه امرا ما في ذلك الشئ لو وصف له ذلك بعينه بقول ، فان ذلك القول كان يخيل له في ذلك الشئ الأمر بعينه الذي خيل فيه ما رآه ببصره ، وذلك مثل الأقاويل التي تخيل الحسن في الشئ أو القبيح فيه ، أو الجور أو الخسة أو الجلالة .
فان الانسان كثيرا ما تتبع افعاله تخيلاته ، وكثيرا ما تتبع ظنه أو علمه ، وكثيرا
المنطقيات للفارابي — صفحة 502
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٥٠٢