ما يكون ظنه أو علمه مضادا لتخيله ، فيكون فعله بحسب تخيله ، لا بحسب ظنه به أو علمه .
فلذلك صار الغرض المقصود بالأقاويل المخيلة ، [ ب 273 ب ] ان تنهض بالسامع نحو فعل الشئ الذي خيل له فيه امر ما ، من طلب له ، أو هرب عنه ، ومن نزاع ، أو كراهة له ، أو غير ذلك من الافعال من إساءة أو احسان ، سواء صدق ما يخيل اليه من ذلك أم لا ، كان الأمر في الحقيقة على ما خيل أو لم يكن .
وكما أن الانسان إذا حاكى بما يعمله شيئا ما ، ربما عمل ما يحاكى به نفسه ، وربما عمل مع ذلك شيئا يحاكى ما يحاكيه ، فإنه ربما عمل تمثالا يحاكى زيدا ، وعمل مع ذلك مرآة يرى فيها تمثال زيد .
كذلك نحن ربما لم نعرف زيدا ، فنرى تمثاله ، فنعرفه بما يحاكيه لنا ، لا بنفس صورته . وربما لم نر تمثالا له نفسه ولكن نرى صورة تمثاله في المرآة ، فنكون قد عرفناه بما يحاكى ما يحاكيه ، فنكون قد تباعدنا عن حقيقته برتبتين .
وهذا بعينه يلحق الأقاويل المحاكية . فإنها ربما الفت عن أشياء تحاكى الأمر نفسه ، وربما الفت عما تحاكى الأشياء التي نحاكى الامر نفسه ، وعما تحاكى تلك الأشياء ، فتبعد في المحاكاة عن الامر برتب كثيرة .
وكذلك التخيّل للشئ عن تلك الأقاويل ، فإنه يلحق تخيله هذه الرتب .
فإنه يتخيل الشئ بما يحاكيه بلا توسط ، ويتخيل بتوسط شئ واحد ، وبتوسط شيئين على حسب القول الذي يحاكى الشئ .
وكثير من الناس يجعلون محاكاة الشئ بالامر الا بعد أتم وأفضل من محاكاته بالأمر الأقرب ، ويجعلون الصانع للاقاويل [ ب 274 ر ] التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة ، وأدخل في الصناعة ، واجرى على مذهبها .
المنطقيات للفارابي — صفحة 503
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٥٠٣