سبب ذلك البخت والاتفاق ، ولا يستحق اسم المسلجس .
وجودة التشبيه تختلف : فمن ذلك ما يكون من جهة الأمر نفسه بأن تكون المشابهة قريبة ملائمة ، وربما كان من جهة الحذق بالصنعة حتى يجعل المتباينين في صورة المتلائمين بزيادات في الأقاويل مما لا يخفى على الشعراء : فمن ذلك أن يشبهوا ا ب وب ج لأجل أنه يوجد بين أو ب مشابهة قريبة ملائمة معروفة ، ويوجد بين ب وج مشابهة قريبة ملائمة معروفة ، فيدرجوا الكلام في ذلك حتى يخطروا ببال السامعين والمنشدين مشابهة ما ( بين ) ا ( ب ) ، ب ج ، وان كانت في الأصل بعيدة .
وللاخطار بالبال في هذه الصناعة غناء عظيم ، وذلك مثل مثل ما يفعله بعض الشعراء في زماننا هذا من أنهم إذا أرادوا أن يضعوا كلمة في قافية البيت ، ذكروا لازما من لوازمها أو وصفا من أوصافها في أول البيت ، فيكون لذلك رونق عجيب .
ونقول أيضا أن بين أهل هذه الصناعة وبين أهل صناعة التزويق مناسبة ، وكأنهما مختلفان في مادة الصناعة ومتفقان في صورتها وفي أفعالها وأغراضها أو نقول :
ان بين الفاعلين والصورتين والغرضين تشابها . وذلك أن موضوع هذه الصناعة الأقاويل ، وموضوع تلك الصناعة الأصباغ ، و ( ان ) بين ( كليهما ) فرقا ، الا أن فعليهما جميعا التشبيه ، وغرضيهما ايقاع المحاكيات في أوهام الناس وحواسهم .
فهذه قوانين كلية ينتفع بها في إحاطة العلم بصناعة الشعراء . ويمكن استقصاء القول في كثير منها ، الا أن الاستقصاء في مثل هذه الصناعة يذهب بالانسان في نوع واحد من الصناعة وفي جهة واحدة ، ويشغله عن الأنواع والجهات الأخر .
ولذلك ما لم يشرع في شئ من ذلك قولنا هذا .
تمت المقالة في قوانين صناعة الشعراء لأبى نصر محمد بن محمد بن طرخان
المنطقيات للفارابي — صفحة 499
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٩٩