تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
والجمهور وكثير من الشعراء انما يرون أن القول شعر ، متى كان موزونا مقوما باجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية ؛ وليس يبالون [ ح 122 پ ] كانت مؤلفة مما يحاكى الشئ أم لا ، ولا يبالون بألفاظه كيف كانت بعد أن تكون فصيحة في ذلك اللسان ، بل يؤثرون منها ما كان مشهورا سهلا . وكثير منهم يشترطون فيها مع ذلك تساوى نهايات أجزائها وذلك اما أن تكون حروفا واحدة بأعيانها ، أو حروفا ينطق بها في أزمان متساوية . ويبين من فعل اوميروس شاعر اليونانيين انه لا يحتفظ بتساوي النهايات . والقول إذا كان مؤلفا مما يحاكى الشئ ، ولم يكن موزونا بايقاع ، فليس يعد شعرا ، ولكن يقال : هو قول شعري . فإذا وزن مع ذلك ، وقسم أجزاء ، صار شعرا . فقوام الشعر وجوهره عند القدماء هو أن يكون قولا مؤلفا مما يحاكى الأمر ، وان يكون مقوما بأجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية ثم سائر ما فيه ، فليس بضروري في قوام جوهره ، وانما هي أشياء يصير بها الشعر أفضل . وأعظم هذين في قوام الشعر هو المحاكاة ، [ ب 272 پ ] وعلم الأشياء التي بها المحاكاة ، وأصغرهما الوزن . والخطابة قد تستعمل شيئا من المحاكاة يسيرا ، وهو ما كان قريبا جدا واضحا مشهورا عند الجميع . وربما غلط كثير من الخطباء الذين لهم من طبائعهم قوة على الأقاويل الشعرية ، فيستعمل المحاكاة أزيد مما شأن الخطابة أن تستعمله ، غير أنه لا يوثق به . فيكون قوله ذلك عند كثير من الناس خطبة بالغة وهو في الحقيقة قول شعري قد عدل به عن طريق الخطابة إلى طريق الشعر . وكثير من الشعراء الذين لهم أيضا قوة على الأقاويل المقنعة ، يضعون الأقاويل المقنعة ، ويزنونها ، فيكون ذلك عند كثير من الناس شعرا ، وانما هو قول خطبى عدل به عن منهاج الخطابة ، وكثير من الخطباء يجمع في خطبته الأمرين جميعا ، وكذلك كثير من الشعراء .