قول الفارابي في التناسب والتاليف
قال المعلم الثاني أبو نصر الفارابي ، قدس الله نفسه :
انّه لما كان للنفس نظام متناسب ، وان لم يكن من طريق الكم ، قد علم ذلك من عظيم ميلها في جميع المحسوسات إلى المركبات المناسبة دون البسائط ، اما في المرئيات ، فكالالوان المؤلّفة والنقوش باختلاف الاصباغ والاشكال والعقود والتعاويج ذوات التساوي والنظام والنسب في تاليفها ، وفي المذوقات كالطعوم المركبة من ألوان الطبيخ والابازير ، وفي المشمومات كالروائح المركبة ، كالغالية والخلوق والند والبخور ، وفي المسموعات كالأصوات والألحان المركّبة المناسبة ، ولذلك أحدثت التزاويق والنقوش وصناعة الطبائخ والعطر . وكان من معاني القول ما لا يقنع السامع اما لوهاء اسّه وهو الحسّ والتخيّل ، واما لضعف الجمهور عن تصوّره بمحض القول ، وما يدعو اليه من طريقه ؛ اضطرّ أصحاب السياسة لصلاح العالم إلى تنفيذ ما يعود بصلاحهم وانفاقه عليهم بتركيب القول ، ووزن الكلام ، بتأليف الألحان والايقاعات المقوّية للتخيل .
وكان للنّفس انقباض عن منافر ، وانبساط إلى ملائم ، ولم يعر جميع ذلك من تناسب ما من الوزن ، والتاليف الصّوتى ما يطابق ذلك ، وعملت لأنواع تحريكها وانبساطها وتسكينها وانقباضها أوزانا واشعارا وأصواتا ، صارت من جهة الموافقة والمشاكلة مقبولة المعنى ، حتى كان للقدماء اثنى عشر